آخر خبرمقال اليوم

لبنان على فوّهة بركان ..لماذا؟

 هادي جان بو شعيا 

تدخل واشنطن على خط الخلاف اللبناني-الخليجي، داعيةً لاتخاذ أي خطوات لإبقاء الخطوط الديبلوماسية مفتوحة بين الجانبين. وتطالب الأطراف بعدم التدخل في الشأن السياسي الداخلي اللبناني.

في المقابل، استمع أعضاء في الكونغرس الأميركي إلى مطالب الجيش اللبناني التي رفعها العماد جوزيف عون في خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، معربين عن قلقهم من تنامي النفوذ الإيراني في لبنان، خصوصًا مع تقديم النخب السياسية في لبنان مصالحها الضيقة على حساب الحاجات الماسة المتزايدة لمواطنيها.

في الوقت ذاته، يُتهم الثنائي الشيعي المتمثل بحزب الله وحركة أمل بإعاقة العمل الحكومي الضروري وتقويض قدرة البلاد على سنّ إصلاحات إقتصادية وإجتماعية تحاكي الحدود الدنيا من المتطلبات الأساسية والحقيقية.

وفيما تناول الخبراء، في الشأن اللبناني، في تعليقاتهم، أدوار الأطراف المحلية منها والإقليمية وحتى الدولية المعنية في الأزمة اللبنانية عمومًا والخلاف المستجدّ خصوصًا. وكانت لافتة تغريدة الباحث غير المقيم في “معهد دول الخليج العربية” في واشنطن بول سوليفان: ” لا يمكن تعريض لبنان للخطر. إنه محور رئيسي في شرق البحر الأبيض المتوسط. شاهد ماذا يحدث عندما ينهار حقًا. لا أعتقد أن السؤال إذا كان سينهار. ولكن متى.”

وبناء على ما تقدم يمكن استخلاص أربع قراءات تناقش وتحلل التوجهات السياسية الحالية لكل من أطراف النزاع:

– الأولى، تسعى الرياض الى توظيف الضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي للقول إن حزب الله راكم الكثير من النفوذ في لبنان، لكن يبدو أنه من غير الوارد حتى لا نقول من المستبعد أن تغيّر حملة الضغط موازين القوى في لبنان. بل على العكس تمامًا، قد تنطوي على نتائج عكسية من خلال تأليب المواطنين اللبنانيين المتعاطفين مع المملكة العربية السعودية ضد قرارها هذا. ويمكن التذكير هنا بالحصار السعودي-الإماراتي على قطر في العام 2017 والذي لم يؤتِ أُكُله ولم يحرز تغييرًا جذريًا في السياسة القطرية. لذلك لا بد من التريّث لمعرفة إذا ما كانت العقوبات الأميركية التي كانت في السابق تقتصر على حزب الله قبل أن تتوسع لتطال شخصيات سياسية لبنانية أخرى ستنجح في تغيير سلوك من استهدفتهم.

-الثانية، من الواضح أن الأزمة الحالية تعتبر آخر تصعيد للتنافس السعودي-الإيراني في لبنان، رغم أن المملكة لطالما كانت حليفة مقرّبة للسياسيين السنة؛ إلا أنها لم تنسج العلاقة نفسها التي حاكتها إيران مع الطائفة الشيعية، جاعلةً من حزب الله وكيلاً لها. كما أن الرياض فقدت وسائل نفوذها منذ اغتيال رفيق الحريري في العام 2005، ورغم محاولات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان فرض أجندته، إلا أن سياسة السعودية بقيت غير منسجمة وعاجزة عن إبعاد حزب الله عن أي تحالف حكومي، ما جعلها تلجأ إلى تحرك قوي من خلال سحب السفراء الخليجيين من بيروت، والذي يترتب عليه فقدان ملايين الدولارات من العملة الصعبة، ناهيك عن أن أي تصعيد جديد يتهدّد وظائف أكثر من ثلاث مئة وخمسين ألف لبناني يعملون في الخليج ويرسلون تحويلات مالية تقدّر بالملايين.

-الثالثة، اعتقدت الإدارات الأميركية المتعاقبة واهمة أن سياسة الدعم المادي، خصوصًا للجيش اللبناني تفيد لبنان وتخدم المصالح الأميركية بذريعة أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة ذات الصدقية، فضلاً عن قدرته على إقامة توازن مع حزب الله ومواجهة المجموعات المسلحة المتشددة، لكن انزلاق الجيش في استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين، بالإضافة إلى إخفاقه، حسب ديبلوماسيين أميركيين في ردع حزب الله عن النمو وزيادة التسلح والتدخل في الحرب الأهلية السورية. وعليه يمكن الإقرار أنه من السذاجة تحقيق تحييد كلي للجيش بمعزل عن إجراء تغييرات حقيقية في الدولة والمجتمع اللبناني.

-الرابعة، باتت دول الخليج العربي على يقين واقتناع حتميَيْن أن لبنان أضحى منذ مدة يسبح في فلك إيران، الأمر الذي يجعل هذه الدول توظّف نفوذها الاقتصادي للضغط بغية إبعاد بيروت عن طهران. وتشير التوقعات أن يستمر هذا الضغط إلى ما بعد الانتخابات النيابية في العام 2022، حيث تأمل دول الخليج أن تفرز حكومة غير مرتبطة عضويًا أو حتى عقائديًا بحزب الله.
وبين هذا وذاك، وعلى الرغم من رفض دولة قطر الوقوف خلف جيرانها في عملية الضغط هذه، إلا أنه من المستبعد أن تفي الدوحة بتعهداتها عبر دعم لبنان اقتصاديًا تلافيًا النظر إليها كمساعِدة لحزب الله، الأمر الذي تحاول تجنّبه قطر في مساعيها الرامية لإصلاح علاقاتها بالسعودية والإمارات بُعيد “قمة العلا”.

في المحصلة، يمكن الجزم بأن لبنان يقف على فوهة بركان يشي بانفجار وشيك ما لم يعِ الطرفان المنبطحان لمعسكر من هنا وآخر من هناك التحولات الخطيرة التي ترتسم معالمها في المنطقة والعالم. ولعلّ الخطيئة العظمى تكرّست منذ أكذوبة ما يسمّى بدولة لبنان الكبير وما سبقها وتلاها من ترّهات استندت إلى أكاذيب ومفاهيم بائتة على غرار “الصيغة اللبنانية” و”العيش المشترك” و”لبنان الرسالة” و”موازين القوى” وسواها من العبارات والمصطلحات الفضفاضة، فيما النفوس تتآكلها الضغينة “المبيّتة” المبنية على المصالح الشخصية المقيتة والدنيئة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button