روايةُ إختراع جنةِ الوهمِ لضربِ الخصمِ

ديانا غرز الدين 

 ” لا شيء صحيح، كل شيء مباح”

من خلال هذا المبدأ البسيط الذي شكل عقيدة نظام سياسي و ديني ، استطاع انسان بالغ الدهاء و الحنكة السياسية  ان يبني عالما كاملا بغية التحكّم بحيوات الناس و مصائرهم و جعلهم لا يعصون له امرا،  فقوّض اسس سلطة السلاجقة الاتراك في بلاد فارس عام ١٠٩٢ و بث الرعب في قلوب اعدائه و أطاح بالسلطان نفسه.

يقول حسن الصباح مؤسس   فرقة ” الحشاشين ” في الطائفة الاسماعيلة  في رواية “آلموت” للكاتب السلوفيني فلاديمير  بارتول:

” لقد طرقت باب البلاهة و السذاجة البشرية، راهنت على النزوع للشهوة و الرغبات الانانية للناس “

  رواية آلموت هي ليست سردا لوقائع تاريخية بقدر ما هي حكاية تشبه حكايات الخيال، استعار كاتبها شخصيات و احداثا من التاريخ و بنى حولها حبكة روايته و نسج تفاصيلها بدقة و اتقان. وهي تحكي عن اصدقاء ثلاثة تعاهدوا منذ الصبا على ان الذي يلمع نجمه اولا يساعد رفيقيه . لكن نظام الملك خان العهد و اصبح العدو اللدود لحسن الصباح، فيما انغمس الصديق الثالث عمر الخيام في ملذاته الخاصة من خمرة و نساء.و هكذا انصرف حسن الصباح الى ملاحقة حلمه و تنفيذه بصبر شديد .استطاع بجهوده وحسن تخطيطه ان يحقق حلمه ببناء و خلق جنته الخاصة على الارض داخل اسوار حصنه المنيع آلموت “قلعة النسور”. و هي قلعة تقع على جبل شاهق في خراسان بناها ملوك الديلم و استولى عليها الحسن و جعلها معقله و منها انطلق في نشر دعوته الاسماعيلية . درب فيها  الجنود و درس التلاميذ و المريدون و انشأ جنة سرية خلف اسوارها العالية جعلها تحاكي فردوسا حقيقيا من حدائق و انهار و اطيارو كل ما لذ و طاب من المأكل و المشرب و كل ما هو غال و نفيس من المفرش. اتى بالفتيات الحسناوات من كل اسواق البلاد و جعلهن يتدربن على فنون الاغواء و الحب. و كل هذا لغاية في نفسه.  فهل تبرر الغاية الوسيلة؟ الواقع أن حسن الصباح عمد الى ايهام خيرة تلاميذه الشباب ان مفاتيح الجنة في يده . فكان يخدرهم و يرسلهم لقضاء ليلة في فردوسه الارضي موهما اياهم انهم في جنة الخالق الحقيقية . و هكذا استطاع ان يضمن ولاءهم المطلق و الاعمى له –  باذلين حياتهم في سبيله و سبيل مطامحه الخاصة في تقويض سلطة اعدائه و مناوئيه – من اجل العودة الى الجنة الموعودة التي ذاقوا بعضا من ملذاتها ..بهذه الطريقة استطاع قهر اعدائه و ازاحتهم من طريقه ليرسي دعوته على اسس متينة قوامها ” الفدائيون” الذين لا يتوانون عن القيام باي عمل يؤمرون به.  يقول:

” كلما كان وعي الجماعة منخفضا، كلما كان الحماس الذي يحركها اشد و اعنف.”

” لا جرم ان بعض الرغبات لديها قوة فريدة، تعمل كما لو انها مادة من المواد، كأنها مطرقة من فولاذ حقيقي” .

رواية ممتعة فيها الكثير من دسائس البلاطات الحاكمة و خيانات اصدقاء الامس كما فيها من قصص الحب التي تنتهي بمآس محزنة. وغالبا ما تم الرجوع اليها في الأحداث العالمية الكُبرى من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية الى هجمات أيلول/سبتمبر الإرهابية عام 2011.

الكاتب بارتول هو اديب سلوفيني ( ١٩٠٣ – ١٩٦٧) حصل على درجة دكتوراه مزدوجة من جامعة السوربون في علم الاحياء و الفلسفة بعمر لا يتجاوز خمسة وعشرين عاما.  نشرت روايته عام ١٩٣٨ و ترجمت الى ١٩ لغة حقق من خلالها شهرة عالمية، ويقال ان كتابتها تطلبت عشر سنوات متواصلة من الجهد الفكري.

من اعمال الكاتب: رواية” قلعة النسور”.  مسرحية” لوبيز”.  قصة “دون لورينزو” .

lo3bat elomam

Recent Posts

Quand le français se cache dans les assiettes

Quand le français se cache dans les assiettes Nadine Sayegh – Paris      …

4 أيام ago

L’échiquier. Histoire en noir et blanc du plus ancien jeu intellectuel du monde

L'échiquier. Histoire en noir et blanc du plus ancien jeu intellectuel du monde Nadine Sayegh…

أسبوع واحد ago

Le foot et les mascottes. Symbole de transmission et d’espoir

Le foot et les mascottes. Symbole de transmission et d'espoir Nadine Sayegh – Paris  …

شهر واحد ago

الفلامنغو يتفوق على التانغو في نهائي تاريخي

أيمن مرابط منتخب الفلامنغو تفوّق على التانغو، ربما من أكثر المباريات الكروية التي يتداخل فيها…

شهر واحد ago

مصر العروبة.. هوية أمة

مضر شيخ إبراهيم   أقدّم اعتذارًا علنيًا عن ظنونٍ سابقة تجاه مصر، ولا سيما أن…

شهر واحد ago

La banane, ce fruit qui cache une histoire extraordinaire

La banane, ce fruit qui cache une histoire extraordinaire Nadine Sayegh – Paris Présente dans…

شهرين ago