آخر خبرمقال اليوم

القصة الكاملة لتأخير النفط العراقي للبنان

بيروت-بغداد : نعيمة الفضلي

منذ أسابيع يُطرح السؤال حول سبب تأخير وصول النفط العراقي الموعود الى لبنان، تماما كما تُطرح شكوك بشأن احتمال وصوله مطلع شهر أيلول/سبتمبر المقبل، ويبدو أن الكثير من الكلام هدفه التغطية على مجموعة من الأخطاء وربما الأمل بسمسرات وصفقات فيما الناس في لبنان ينتظرون أي بارقة أمل للتخفيف من وطأة الانهيار.

وبعد بحثنا لأيام عديدة عن الأسباب، واتصالاتنا مع عدد من المعنيين في لبنان والعراق، نسرد الوقائع التالية كما هي، لعلّها تشرح الجزء الأكبر مما حصل، وتوضح أن التقصير ربما يقع على الجانب اللبناني وليس العراقي.

وفي ما يلي المسارات كما وقعت:

منذ أكثر من عام وتحديداً قبل زلزال انفجار مرفأ بيروت بأيام وصل وفد عراقي رفيع يترأسه وزير النفط احسان عبد الجبار ورئيس البعثات العربية في الخارجية العراقية د. اسامة الرفاعي والمفكر السياسي حسن العلوي بتكليف من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الى بيروت . التقى الوفد العراقي الأطراف اللبنانية من رئيس الحكومة حسان دياب ووزيري الطاقة والصحة واخرين ،وكانت الغاية امكانية مساعدة لبنان بباخرات فيول عراقي “زيت وقود” لحل الأزمة النفطية اللبنانية بعد انتهاء عقد الدولة اللبنانية مع الشركات الاجنبية المتعاقدة معها منذ عقود.

لم تكن للعراق اي شروط ولا املاءات، بل كانت الغاية الاساسية مساعدة الشعب اللبناني،وهذا ما حدث فعلاً بعد انفجار مرفأ بيروت ،فالعراق الدولة الوحيدة التي ساعدت لبنان بصهاريج المازوت وبآلاف الاطنان عبر سورية وافرغت في خزانات الزهراني وذهبت لقيادة الجيش

سارت المحادثات على عددٍ من المسارات أهمها التالي:

 

المسار الاول

بروز حديث أولي عن تطوير التعامل واستقدام النفط العراقي الى لبنان بما يتناسب مع حاجة لبنان وامكانياته للدفع بالمقايضة، وهنا دخل وزيرا الزراعة والصحة اللبنانيان على الخط وتم اشراكهما لبنانياً في المحادثات.

منذ اللحظات الأولى، برز تخبّط واضح في أمكانية الجانب اللبناني اقناع الجانب العراقي بالاستعاضة عن الدولار الاميركي المحلّق والمفقود في السوق المحلية بمحاصيل زراعية ومساعدات طبية. وهنا انتقل الامر الى مرحلة أخرى من النقاش، سرعان ما سقط منها الجانب الزراعي رغم حديث أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله عن ذلك، وذلك لأسباب تتعلق بالمزارع العراقي والقوانين العراقية الداعية الى دعم الزراعة العراقية، مع الإشارة طبعا الى أن في العراق نهرين ومساحات زراعية كبيرة معظمها مزروع بالأشجار والنخيل والحنطة والقمح، وهو بالتالي ليس بحاجة فعلية للزراعات اللبنانية الا ما ندر.

المسار الثاني:

في هذا المسار الثاني، انتقل النقاش الى عنوان: “النفط مقابل الخدمات الطبية”  

آنذاك، وصلت طائرة الخطوط الجوية العراقية محمّلة بآلاف الاطنان الطبية كمساعدات للشعب اللبناني وحكومته في مواجهة ازمة وجائحة كورونا بعد مناشدة سفير لبنان لدى العراق وجهود كبيرة بذلتها شخصية عراقية مقيمة على الأراضي اللبنانية، خصوصا في أعقاب انهيار المستشفيات والنقص الحاد بالدواء.

كانت الطائرة المحمّلة كذلك بأحدث الاجهزة الطبية المتطورة تقّل على متنها وزير الصحة العراقي د. حسن التميمي ووفدا رفيعا من وزارة الصحة والخارجية، استقبلهم وزير الصحة اللبناني حمد حسن.

جرت المباحاثات في فندق “الموفينبيك “، وفوجئ الوفد العراقي، بان بعض مستشاري وزارة الصحة اللبنانية المرافقين للوزير حسن، ليسوا على دراية فعلية بأن المستشفيات الاهلية اللبنانية التابعة للقطاع الخاص لا تأتمر بأوامر الوزارة .

قدّم الوفد العراقي اقتراحا يقضي بأن ” يقدّم العراق النفط، مقابل خدمات طبية في لبنان للمرضى العراقيين (أو ما يُعرف في بيروت بالسياحة الاستشفائية) على أن يتم الدفع بالليرة اللبنانية وتحت رقابة ورعاية وزارة الصحة، وعلى أن تُدفع الاموال للمستشفيات الخاصة من مصرف لبنان عبر اعتمادات معينة.

إنطلق الطرفان في اليوم التالي في جولة الى المستشفيات اللبنانية والجامعة الاميركية وكليمنصو واوتيل ديو والزهراء والرسول الاعظم وبيروت الحكومي، وذلك من منطلق أن لا يُحسب أي من الفريقين العراقي أو اللبناني على أي طرف.

 هنا وقعت المُشكلة الأولى رغم التحذير منها مُسبقا، فأصحاب المستشفيات الخاصة رفضوا المقترح اعلاه، مبرّرين ذلك بأن الجزء الأساس من مداخيلهم هو بالدولار ويأتي من المريض العراقي، وفي حال انتفاء هذا المصدر العراقي من الدولار ، فلن تحصل هذه المستشفيات على أي منفعة خاصة حتى ولو أن الأمر سيجلب النفط العراقي للبنان (رغم أن هذه المستشفيات تفيد من الفيول العراقي الذي يمنعها من الاغلاق)

في هذا المسار أيضا، تقدّم وزير الصحة العراقي باقتراح آخر للخروج من الازمة، مع حاجة العراق الى تطمين شارعه الذي يعاني نقصا حاداً هو الآخر بالخدمات واهمها الطاقة والصحة

قضى اقتراح الوزير العراقي بإيفاد كوادر طبية لبنانية (طبيب مقيم) الى العراق وبإعداد واختصاصات يتفق عليها الجانبان، من اجل افتتاح 11 مستشفى بحاجة الى كوادر طبية متمرسة ورفدها بأطباء وممرضين، وحصر عمل اللبنانيين بعمليات التدريب فقط، هذا ما يجعل الكرة في ملعب الجانب اللبناني الذي باستطاعته الدفع للكوادر الطبية اللبنانية من اموال النفط العراقي الموضوعة في مصرف لبنان والبالغة 480 مليون دولار اميركي على سعر صرف البنك المركزي اللبناني.

هنا وقعت المُشكلة الثانية، ذلك أن هذا الاقتراح اللبناني جوبه بالرفض، وتبيّن للوفد العراقي أن لا سلطة لوزارة الصحة اللبنانية على نقابة الاطباء اللبنانيين او اي طبيب، ذلك أن هؤلاء يعملون في القطاع الخاص ويقبضون بالدولار..!

 

المسار الثالث:

عاد وزير الصحة العراقي د. حسن التميمي الى العراق، وطرح ما في  حقيبته على مجلس الوزراء العراقي للتصويت، وجاء تصويت المجلس بالإجماع برفض هذه الخطوط ، وقرر مجلس الوزراء العراقي في جلسته الاعتيادية الثانية والعشرين والمنعقدة في 28/6/2021 التالي:

*  تعديل قراري مجلس الوزراء (٤٣، و١١٥ لسنة ٢٠٢١) لبيع مليون طن سنوياً من مادة زيت الوقود، تُسدّد قيمتُها بحسب الاصول، وتلغى الخدمات الصحية والخدمات الطبية كوسيلة للسداد المثبتة في القرارين المذكورين آنفاً

* تخويل وزير المالية الاتحادي صلاحية توقيع الاتفاق مع الجانب اللبناني بهذا الشأن…

* الذهاب الى تصويت جديد بحسب القرار 183 لسنة 2012 والقاضي بـ   تزويد لبنان بالنفط الاسود (زيت الوقود) على ان يتم التسديد بالليرة اللبنانية بعد مرور عام، وتفتح اعتمادات مصرفية بين الجانبين لتسهيل ذلك، وتبقى الاموال العراقية في داخل مصرف لبنان على ان يقرر العراق الاستفادة منها لاحقاً بالطريقة المناسبة .

هنا تم رفع الدعم من 500 الف طن الى مليون طن وتم الاعلان عن ذلك بمؤتمر صحفي من قبل الناطق باسم الحكومة العراقية وزير الثقافة الدكتور حسن ناظم والذي قال فيه “قررنا مساعدة لبنان ….  فنحن عشنا الحصار ولن نترك اشقاءنا تحت هكذا نوع من الحصار”

المسار الرابع

ذهبت وفود تقنية لبنانية برئاسة وزير الطاقة والمياه ريمون غجر الى العراق لوضع اللمسات الاولى على الصفقة، وذلك مع موافقة شركة سومو الوطنية الحكومية (الشركة الوطنية المصدرة للنفط العراقي)  على تزويد لبنان بهذه الكميات وفق جداول محددة منذ تاريخ توقيع العقد اقصاها شهر. . وقد بدا واضحا في تلك المرحلة أن العراق مستعد تماما، وقد انهى ما عليه من ترتيبات وباتت الكرة في ملعب الجانب اللبناني.

وهنا كان المطلوب من الوزير غجر ان يبادر الى وضع نوع مادة النفط العراقي عبر المنصة والاعلان عن مناقصات واضحة وشفافة من اجل ابدالها بالوقود الصالح لكهرباء لبنان.

المسار الخامس:

وصل وفد لبناني الى بغداد يضم اللواء عباس ابراهيم مدير عام الامن العام اللبناني، ووزير الطاقة ريمون غجر ، والسيدة أورور فغالي مديرة عام النفط بوزارة الطاقة اللبنانية، والصحافي العراقي أمين ناصر مدير شبكة الاعلام العراقي في لبنان والشام. اجتمع الوفد فور وصوله بوزير النفط العراقي ومدير عام شركة سومو ومدير ديوان الرقابة المالية لوضع اللمسات النهائية على الاتفاق بحسب المسار الرابع، ووقّع كل من فغالي والياسري مدير شركة سومو على الاتفاق الاول للتبادل، لكن أرجئ الاعلان عن التوقيع حتى اليوم الثاني بطلب من رئيس الحكومة العراقية  مصطفى الكاظمي بغية تصويت مجلس الوزراء وبحضوره .

هذا ما حصل فعلا، حيث جرى التصويت وتم التوقيع بعد اجتماع داعم لساعات مع رئيس الوفد العراقي المفاوض الدكتور علي عبد الامير علاوي وزير المالية وبرعاية مباشرة من قبل الرئيس الكاظمي.

انطلق الوفد الى بيروت حاملا البُشرى التي ينتظرها كل اللبنانيين. وعقد غجر مؤتمراً صحفياً قال فيه “ان لبنان اشترى من العراق نفطاً” ووعد بان هذا النفط سيصل في غضون عشرة ايام.

مرّت الأيام العشرة، وبعدها مثلها، واختفى الحديث عن النفط العراقي و عن آلية وكيفية وصوله، فطُرح السؤال في لبنان والعراق :” أين النفط العراقي؟”

كان الوزير غجر قد تعهّد امام الوفد المفاوض العراقي في بغداد بالشفافية بعد ان وضعت السلطات العراقية هذا الامر شرطاً مدوناً بالاتفاق وطلبت معرفة الشركات التي ترغب بالمناقصات واشارت الى ضرورة ان يكون ذلك عبر منصة علنية (اون لاين) تابعة للطاقة اللبنانية، تستطيع وزارة المالية العراقية مراقبتها.

بعد 14 يوم أعلن المكتب الاعلامي للوزير غجر ان هذه الاتفاقات معقدة وتحتاج الى شهور وهو ما بدا مناقضا لتصريحاته السابقة التي تتحدث عن ساعات وايام، وهو ما دفع رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون الى المسارعة لاستصدار قرار بالاستثناء واطلاق المناقصات بعد تاخير دام لشهور ..!

حتى اللحظة ورغم حديث الوزير غجر وتحديده لموعد وصول النفط العراقي في الثالث من ايلول المقبل، لا تزال اسباب التأخير منذ سبعة اشهر وحتى اللحظة مجهولة، بل لا تزال الشركات كذلك والاعلان عنها وآلية وكيفية المناقصة مجهولة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button