الصين والسعودية طريق الحرير صارت أوسع

وائل خليل ياسين
ارتفعت في السنوات القليلة الماضية وتيرة التقارب والتعاون والتبادل بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بناء على رغبة الطرفين في احداث نقلة نوعية في هذه العلاقات التي تخدمهما راهنا ومستقبلا، ومن منطلق احترام سيادة كل طرف وإيجاد قواسم مُشتركة تفيد النمو والنهضة في الاتجاهين.
ومن المؤكد أن الوثبة المتقدّمة في هذا الاتجاه مع المملكة العربية السعودية تعززت مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز شؤون العرش ( فهو ومنذ كان وليا للعهد قام بزيارة هامة لبكين أسست لتوسيع الشراكة) وادارة ولي عهده الأمير محمد بن سلمان للكثير من الملفات ، وهو ما نقل العلاقة بين الصين والسعودية الى دائرة العمل الإستثماري المتقدم ، ورفع من قيمة الاستثمارات بشكل ملحوظ، وتخلّل ذلك مبادرة صندوق الثروة السعودي والبالغة قيمته 450 مليار دولار للإستثمار الأجنبي في الصين، حيث سيمنح الترخيص بتداول الأسهم بالعملة الصينية أيضاً.
ووفق الرؤيةَ الصينية لمبادرة “الحزام والطريق”، أطلق وزير خارجية الصين وانغ يي في السعودية في العام الماضي مبادرة الصين لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر تضمنت النقاط التالية :
أولا – الدعوة إلى الإحترام المتبادل واعتماد هذا المبدء اساس للتعاملات بين دول المنطقة ووجوب احترام جميع دول العالم لخيارات هذه الدول وشعوبها .
ثانيا – الالتزام بالإنصاف والعدالة اساساً لحل النزاعات والقضية الفلسطينية واعتبار حل الدولتين هو القاعدة الاساس لها عن طريق المفاوضات .
ثالثا – تحقيق عدم انتشارالأسلحة النووية و السعي لعودة سريعة للاتفاق النووي الايراني.
رابعا – العمل سوياعلى تحقيق الامن الجماعي عبرالسعي لحل النزاعات ووضع اطار امني مشترك في المنطقة يؤدي الى الاستقرار .
خامسا – تسريع وتيرة التنمية والتعاون.
فهذه المبادرة تأتي استمراراً لنجاح اقتراح الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013 “حزام واحد، طريق واحد”، المعروف بطريق الحرير الجديد، وهي وانطلاقاً من العمل بسلسلة برامج مشتركة سعودية صينية تهدف الى تشجيع الاستثمارات الصينية في المملكة وتحمل لهذه البرامج تسهيلات عدة تبدأ باجراء مؤتمرات مشتركة صينية سعودية استثمارية، وانشاء شركات تسويقية تعمل على ابتكار المشاريع وتقديم دراسات ذات جدوى مع السعي لايجاد شركاء من كلا الطرفين، حيث ان هناك فرص ضخمة يمكن الإستفادة منها على سبيل المثال لا الحصر، الصناعات البيتروكميائية وصناعة التكنولوجيا ولا سيما الذكاء الاصطناعي، اضافة الى الصناعات المتعلقة بإعادة تدوير النفايات وصناعة الأنظمة الخاصة بمعالجة انبعاثات الكربون.
أما في المجال الزراعي فمن الممكن التركيز على انشاء شركات في مجال الزراعة الذكية ومكافحة التصحر ما ينسجم مع مبادرة المملكة الخضراء. وفي مجال البنية التحتية المجالات كبيرة وواسعة جداً، تبدأ بالإستثمار في مشاريع البناء العقارية وانشاء الطرق السريعة وفق أليات شراكة وسكك الحديد والمترو والمطارات والموانيء والأنفاق والقنوات المائية وجرها وسط المملكة التي من شأنها تطوير الشحن البحري والنقل والمناخ.
لذلك فإن المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، ودول أخرى، تبحث مع الصين سبل تطوير التعاون في مجال تأسيس أقطاب صناعية، فكانت الانطلاقة أن الصين ناقشت الآفاق التي تحملها رؤية المملكة العربية السعودية 2030 ورؤية الأردن 2025 وعلاقتهما بمشروع “الحزام والطريق”.
وفي هذا المضمار أصبحت الصين أمام مسؤولية تذليل العقبات الناجمة من التحديات والاضطرابات والصراعات التي تهدد استقرار العديد من الدول القائمة على خطوط مشروع “الطريق والحزام”. خاصة أن الصين لا تقيم الاحلاف ولا تستثمر في الحروب والنزاعات. بل تعتمد في سياساتها بناء الشركات مع الجميع على قاعدة الشراكة وعدم الانحياز لأي طرف.
كما أن الصين التي تُعزز علاقاتها مع كافة دول المنطقة، وتشجّع على تبريد الصفيح الساخن الذي تقف عليه علاقات متناقضة كثيرة مثلا بين السعودية وإيران أو بين تركيا وبعض الخليج والعرب، تُدرك أن هذا سيخدم الجميع وسيفتح مجالات هائلة للاستثمارات والصناعة والتجارة والتطور التكنولوجي والبنى التحتية وغيرها.
ووفق هذا المنطلق بدأت تتسارع علاقة التبادل التجاري بين الصين والدول الخليجية، فقد استوردت الصين في العام 2015 ثلث احتياجاتها النفطية والنسبة نفسها من الغاز المسال من دول الخليج.
التطور التصاعدي للإقتصاد الاستثماري
يتوقع أن تصل قيمة مبادرة الحزام والطريق إلى 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2027، ومن الطبيعي أن يساعد في تغيير المنطقة من خلال إثراء التنمية الاقتصادية والاستثمار الداخلي وخطط التنويع، بما في ذلك الطاقة المتجددة. وشجعت متانة العلاقة على زيادة مبادرات التعاون الاقتصادي من 240 مليار دولار في 2013 لتصل إلى 600 مليار دولار في 2023، على خلفية توثيق أواصر التواصل مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال آليات وحوارات استراتيجية بين الصين ودول مجلس التعاون التي انطلقت في عام 2010، حيث ارتفع معدل النشاط التجاري بين الجانبين من أقل من 10 مليارات دولار في عام 2000 إلى ما يقارب 115 مليار دولار في عام 2016. ووصلت الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بين عامي 2005 و2020 إلى ما قيمته 196.93 مليار دولار، مع السعودية (39.9 مليار دولار) والإمارات (34.7 مليار دولار) وهما الوجهتان ذات الأهمية الخاصة.
كلما توسعت مبادرة الحزام والطريق تصاعدت العلاقات الاستثمارية بين الصين ودول الخليج، وهنا لا بد من توسيع دائرة التبادل الثقافي واقامة الندوات واللقاءات وورش العمل الحوارية والمعارض لدى الطرفين، من أجل إعادة تنظيم استراتيجيات الحوكمة في ظروف عالمية، وإقليمية وداخلية جديدة من شأنها تعزيز الديمقراطية.
فنجاح النظام الالكتروني وتقنية الذكاء الاصطناعي، والتي تشير التقديرات إلى أنها قد تصل في دول السعودية وقطر والبحرين والإمارات إلى 320 مليار دولار بحلول عام 2030، يساهم في مكافحة الارهاب ومتطلبات السلامة الحضرية. لذلك لا بد في هذا الحقل من التركيز على تحويل القوة الاقتصادية إلى عامل اساسي يساهم في الاستقرار الامني والسياسي، وترسيخ الإبداع والقدرة على تشكيل المؤسسات الدولية الرئيسية. من الناحية الاقتصادية.
رؤية نهضوية
انطلاقاً من استراتيجية الصين الثابتة والمبنية على مبدأ التنمية والتشارك والتعاون السلمي وفق سياسة الربح المشترك وقاعدة انه لا يمكن ضمان استمرار تنمية امة ما لم يتم ضمان تنمية الامم الاخرى، نرى انه من الضروري السعي لإحلال السلام والاستقرار لايجاد الارضية المتعطشة للتنمية من أجل بناء مجتمع افضل، وتجلى ذلك في مبادرة “الحزام والطريق” اضافة الى اطلاق منظمات للتعاون منها شنغهاي ومجموعة البريكس وغيرها.
أهمية هذه المبادرة أنها تلزم جميع الأطراف التعاون المشترك بهدف الربح المشترك، وتبشر بعالم تعددي يحفظ لكل شعب حقه ودوره وفق مفهوم بعيد عن الأحلاف والتكتلات العسكرية التي تفننت الدول الغربية في اختراعها وتعاملت مع الدول العربية من موقع السيد والتابع، وهذا ما تعارضه الصين بشدة وتريد علاقات بينية متساوية ومتكافئة ولمصلحة الجميع
الخاتمة
الواقع أن مبــادرة الحــزام والطريــق نافذة لــدول مجلــس التعــاون الخليجــي، ليس لأنها فرصة جديــدةً لركــوب موجــة العولمــة انما للاســتفادة مــن الموجــة الأولــى للعولمــة وذلك نتيجــة لوضعهــا كــدول رئيســية مصــدرة للطاقــة، وبإعتبار أن الطاقــة لا تــزال عنصــراً هامــاً فــي الســباق الاقتصــادي، فــإن المبــادرة يمكــن أن تشــجع الإندمــاج الإقليمــي فــي مجــال الطاقــة بوســائل منهــا نقــل الكهربــاء وأنابيــب الغــاز والمشــاريع الإســتراتيجية لتخزيــن الطاقــة ومنهــا خدمــات التخزيــن.
ومستقبلاً يمكــن لدول مجلس التعاون الاستفادة مــن الفــرص الناتجــة عــن مبــادرة الحــزام والطريــق فــي تنويــع هياكلهــا الاقتصاديــة، وهذا سيفيد الدول التي تضع استراتيجيات طويلة الأمد ونها مثلا رؤية السعودية 2030. ذلك أن الجهــود الراميــة لتقليــل الإعتمــاد الإقتصــادي علــى صــادرات الطاقــة ومواصلــة الترويــج لمكانتهــا المتناميــة كمركــز مالــي ولوجيســتي وكمركــز للنقــل يمكــن أن تشــهد نقلــة كبيــرةً عنــد المشــاركة فــي مشــاريع المبــادرة.
كما أن دخول دول مجلــس التعــاون الخليجــي فــي اســتثمارات مشــتركة مــع الصيــن فــي مشــاريع البنيــة التحتيــة فــي الــدول الأخــرى المشــاركة فــي المبــادر، يــؤدي حتما إلــى تعزيــز الترتيبــات متعــددة الأطــراف ما يعــزز مــن الحضور الدولــي لــدول مجلــس التعــاون الخليجــي بمــا يتجــاوز المنطقــة، ويجعلها قوة محورية قادرة أكثر من اي وقت مضى على تنويع علاقاتها الخارجية وترسيخ اسسها الداخلية.
الكاتب : وائل خليل ياسين، رئيس مركز الشرق الاوسط للدراسات و التنمية، استشاري متخصص بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب اسيا و شمال افريقيا .