ثقافة ومنوعات

 كيف يُصبح بعض الناس كالسلطعون في دلو

 كيف يُصبح بعض الناس كالسلطعون في دلو

روزيت الفار -عمّان 

حين يُفترض بالعائلة أن تكون الملاذ الآمن للشّخص في أوقاته الصّعبة وأثناء مواجهته للتّحدّيات، والكتف الصّلب الّذي يسند عليه رأسه عند الانكسار، والحضن الدّافئ الّذي يضمّه عند الحزن والخوف. نجدها أحياناً، وللأسف، سبباً لجروحه العميقة ولإفساد حياته.

السّلوك السّلبي ووسائله.

غالباً ما تكون العلاقات السّامّة انتقاديّة حُكمِيّة وقاسية؛ تهدف لتعطيل التّوازن النّفسي للشّخص ولتثبيط عزيمته عبر عدّة طرق؛ كتجاهله والتّقليل من شأنه ومن شأن قدراته وإنجازاته والادِّعاءات الباطلة والكذب والافتراء وصولاً لتحطيمه والسّيطرة عليه.

وإضافة للإيذاء النّفسي المتمثّل بالحرص على هزّ الثّقة بالنّفس؛ فقد يتخلّل العلاقة السّامّة، عنفٌ جسدي ولفظي قد يؤثّر على صحّة الشّخص وعلى مستوى انتاجه. 

إذا كان قطع العلاقات مع الأصدقاء أو الجيران أو زملاء العمل أو أيّ شخص آخر، أمراً غير سهل، فإنّه من الصّعب جدّاً القيام بذلك حين يتعلّق الأمر بالعائلة والّذين لم يكن لك فيهم أيُّ حق في الاختيار. فإيجاد الحلول للمشاكل في الحالة الأولى أسهل؛ حيث أنّك تمتلك مدى أوسع من الحريّة في تحديد مَن تدخله لحياتك أو مَن تخرجه منها، خلافاً للوضع الّذي تكون به “العائلة” طرفاً، فخيارات الحلول هنا محدودة وصعبة؛ إذ ترتبط المسألة “بشراكة الدّم”. 

فكيف إذاً ستتعامل مع المشاعر المختلطة بين وجوب الانتماء للعائلة وبين مشاعر الخذلان والأذى بسبب علاقة سامّة مع واحد أو أكثر من أفرادها وأنت غير مستعدٍّ لذلك وليس لديك رغبة في إنهاء علاقتك بهم وتعتبر ذلك سلوكاً مرفوضاً قد يؤثّر على بقيّة العلاقات داخل العائلة؟

بشكل عام؛ عليك أولاً قبول حقيقة وجود عائلات لا تحمل ميزات العائلة المثاليّة الطّبيعيّة الّتي تسمع أو تقرأ عنها بالكتب كمصدر للحبِّ والأمان والدّعم. فليس جميع العائلات تحترم صلة القرابة ورابط الدّم. فهناك عائلات ليس لديها قواسم مشتركة سوى “الاسم”. وبدل أن تبني أبناءها؛ تعمل على تدميرهم.

وثانياً أن تتفهم بأَّنَّ مَن يُسيء معاملتك قد يكون إنساناً مريضاً أو يمرّ بمرحلة صعبة يحتاج فيها لرعاية واهتمام عاطفي ولمن يسمعه ويدعمه. حاول أوّلاً أن تقف بجانبه وتساعده. وإن فشلت -وبغض النّظر عمّا يعانيه- فمن حقّك حماية نفسك.

يختلف نوع ومستوى الأذى الّذي تسبّبه الشّخصيّة السّامّة، لكن يبقى هناك قواعد مشتركة بين جميعها؛ منها:

  1. قد لا يكون الشّخص السّيّئ بالأصل سيّئاً، لكنَّه ليس الشّخص المناسب كي تقضي وقتك معه كلّ يوم. فشعورك بعدم الرّاحة بمعيّتِه؛ يكفي لتقرّر نوع علاقتك به وتحديد فترة تواجدك معه. فالمشاعر لا تكذب.
  2. عادة ما يختبئ الشّخص السّام خلف سلوك عدائيّ مبطّن. فقد يؤذيك بشكل غير لفظي لكنّه يحمل معانٍ تستفزّك وتجرحك، كإيماءات وحركات في الوجه والجسد أو يتظاهر بأنّه يتكلّم عن شخص آخر وتكون أنت المقصود. اجعله يعلم أنّ الأمر غير مقبول عندك واسأله عن السّبب.
  3. التّنمّر. كثيراً ما نسمع عن التّنمّر الّذي يحصل في المدارس وأماكن العمل، غير أنّ أسوأ أنواعه؛ هو ما يقع ضمن العائلة الواحدة. فقد يطال أناساً طيّبين يتمّ استغلالهم لدرجة السّحق والاستعباد، وهذا أمر مُدان. تذكّر أنّ كلمة “لا” تعني أحياناً جملة كاملة؛ اي انها تغني عن إعطاء اية مبررات للرفض.

قد تكون “الغيرة والحسد” أحد أهم أسباب السّلوك العدائي بين أفراد العائلة.

* استذكر هنا “نظريّة السّلطعون داخل الدّلو” “The crab in the bucket” theory ومفادها أنّ الصّياد حين يترك ما جمعه من سلاطيع داخل دلو على الشّاطئ ويذهب لصيد المزيد منها، يذهب مطمئنّاً ودون خوف عليها من الهرب، فهو يعلم أنَّ كلَّ سلطعون داخل الدّلو؛ يعمل كشرطي يمنع خروج أيٍّ منها؛ ويسحبه للأسفل إن رآه يحاول الصّعود والقفز من الدلو، وذلك بدافعٍ غريزي يتعلّق بالسّلامة وحفظ النّوع من أيِّ تّهديد خارجي. وعكسه لدى البشر الّذين يحاولون جرّك للأسفل عندما يرونك صاعداً. ليس للحفاظ على سلامتك، بل بسبب الغيرة والحسد.

أساليب التّعامل مع السّلوك السّام:

  1. ليس لأحد أن يُسيء إليك إلّا إن سمحت له بذلك. وتظاهره بأنَّ سلوكه مقبول؛ لا يجب أن يكون كذلك بالنّسبة لك. فقد يعتذرون منك مبرّرين إساءَتهم بأنَّها مزاح أو بأنّ مزاجهم كان بتلك الّلحظة سيّئاً. يجب ألّا يقنعونك بذلك. فتسامحك المتكرّر معهم مكافأة يستغلّونها لمعاودة إيذائك.
  2. تعزيز الثّقة بالنّفس والاهتمام بها خصوصاً عند التزامك بالتّواجد أو العمل معهم. فتظاهرك بالقوّة ولعب دور الشّخص النّاضج الّذي لا يهتم لتلك المضايقات؛ أمر مُتعب وصعب. واحرص على توفير وقت خاص تتعافى به.
  3. إحاطة نفسك بأصدقاء يحبّوك ويدعموك ويشحنوك بالطّاقة الإيجابيّة أمر ضروري ومفيد.
  4. رسم الحدود بيدك. فأنت الأقدر على تقييم الأذى ووضع حدود له بعد أن فشلت بانتظار أن يتغيّروا. لكن؛ فكّر فيما ستكون العلاقة الجديدة عليه، وتأكّد بأنّها سوف لا تؤثّر على هيكل العائلة أو على العلاقة العاطفيّة بين بقيّة أعضائها. 
  5. لا تشارك الآخرين بمعلوماتك الشّخصيّة، فقد تُستخدم لاحقاً ضدّك. وتجنّب إقحام نفسك بمواضيع جدليّة استفزازيّة.
  6. تعلّم أساليب جديدة للتّواصل وركّز على نقاط قوّتك ونمِّها، وعلى نقاط ضعفك وتجنّبها، وتعلّم من سقطاتك الماضية.

بالنّهاية؛ ربّما عدم إمكانيّة العائلة لوضع معايير للسّلوك المقبول تكون مُلزمة لجميع أفرادها؛ يساهم في تفشّي السّلوك السّام هذا. لكن يبقى تجاهل الإساءة والانخراط في تطوير الذّات وتحقيق النّجاح بهدوء، هو أفضل ردٍّ عليها.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button