آخر خبرمقال اليوم

آلاف الأطفال في غزة بين فقد الأهل أو الأطراف …أي مستقبل؟

                             آلاف  الأطفال في غزة بين فقد الأهل أو الأطراف …أي مستقبل؟ 

روزيت الفار-عمّان

في تقريرها الأخير، تقول منظمة “يونيسف” التابعة للأمم المتحدة، إنّ أكثر من 13 ألف  طفل قُتلوا في الحرب على غزّة ( او 18 ألف وفق وزارة  الصحّة الفلسطينيّة)وأصيب آلاف أخرون. وتُقدّر أن 1.7 مليون شخص من القطاع هُجّروا داخلياً، وأكثر من نصفهم أطفال. وأنّ هؤلاء الأطفال لا  يحصلون على ما يكفي من الماء والغذاء والوقود والدواء. وتحدّثت عن أكثر من 600 ألف طفل محاصرون في رفح وحدها، وليس لديهم مكان آمن يذهبون إليه، بعد أن دمرت الحرب منازلهم وشتتت أسرهم. ولو أضفنا إلى ذلك أن 35 ألف طفل فقدوأ أحد الوالدين أو الاثنين معًا وأن أكثر من 1000 فقدوا أحد أطرافهم، يسأل المرء كيف سيكون مستقبل هؤلاء الاطفال، حيث تقول كل التقارير الطبيّة إنّهم سيعانون لسنوات طويلة مُقبلة من التأثيرات النفسيّة والصحيّة والنمو. 

أُضيف بعام 1989 لقائمة “إعلان حقوق الإنسان” الصّادر ب10 ديسمبر 1948، اتّفاقيّة خاصّة بحقوق الطّفل، أيّاً كان، ووجوب حمايته والدّفاع عنه أثناء الحروب والكوارث، حُدّدت بموجبها فئة الطّفولة العمريّة بجميع مَن هم دون الثّامنة عشرة؛ السّن المطلوب لبلوغ الرّشد. وتضمّن الإعلان كذلك؛ اتّفاقيّة منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية (1948)، والاتفاقيّة الدّوليّة للقضاء على جميع أشكال التّمييز العنصري (1965) واتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة (1979) واتّفاقيّة حقوق ذوي الإعاقة (2006) وجوانب فرعيّة متعدّدة مرتبطة بتلك الاتّفاقيّات والّتي قام الاحتلال ويقوم بانتهاك جميعها  -من الواضح- في ممارساته اليوميّة بحقّ الفلسطينيّين منذ تأسيس كيانه.

ونتيجة لكون أفراد فئة الأطفال -بمن فيهم اليافعين- لا يزالون في طور النّمو الجسدي والنّفسي، فهم بالتّالي الأكثر تضرّراً من عواقب الحرب وتأثيراتها. 

إنَّ التّجارب القاسية الّتي على أطفال الحرب مواجهتها؛ كالموت أو الإصابات البالغة والإعاقات الدّائمة والخوف والقلق والتّوتّر، النّاتج من مشاهد القصف والتّدمير، ورؤية وفاة ذويهم والتّهجير القسري ومرارة السّعي نحو مأوى آمن، إضافة للجّوع والعطش وانعدام سبل الاتّصال والتّواصل وشحّ السّلع والخدمات والحرمان من اللّهو واللّعب الّذي يتمتّع به نظراؤهم خارج ساحة الحرب، كذلك الانقطاع عن التّعليم وسهولة التّعرّض لأساليب العنف والأذى والاستغلال بجميع أنواعه، تشكّل (تلك التّجارب) بمجموعها، ظروفاً تتعارض مع احتياجاتهم وحقِّهم الطّبيعي في النّمو الصّحّي السّليم، سواء على المستوى الجسدي أو النّفسي أو الذّهني أو العاطفي، ممّا يؤدّي لخلق جيل ضعيف وعاجز.

ووفقاً لإحصائيّات أجراها حديثاً “معهد أبحاث السّلام في أوسلو” و”منظّمة إنقاذ الطّفولة” وذكرتها Warchild.net بتاريخ 9/2/2024، فقد أصبح هناك 468 مليون طفل حول العالم؛ يعيشون الآن بمناطق حروب، بعد أن تزايدت أعدادهم في العقود الثّلاثة الأخيرة. ممّا يعني أنّ واحداً من كلّ ستّة أطفال بالعالم يعيش حالة حرب.

وأهمّ البلدان المتأثّرة بالصّراعات، جمهوريّة الكونغو الدّيموقراطيّة الّتي تمَّ تصنيفها كأسوأ الأمكنة على مستوى العالم ليعيش فيها الطّفل. تتبعها بقيّة دول غرب ووسط أفريقيا. ويرجع ذلك لانتهاء عمر الطّفولة بعمر مبكّر ووفيّات الأطفال دون سنّ الخامسة وللزّيادة المستمرّة في الانتهاكات المرتكبة ضدّ الأطفال، وخاصّة أثناء النّزاعات المسلّحة، ثمَّ ممارسات القتل والتّشويه والتّجنيد من قبل الجماعات المسلّحة او الجيش، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي.

هدف تجنيد هؤلاء الفتيان ليس حمل السّلاح والقتال، بل للقيام بمهام الطّهي والحراسة والحمالة وكذلك للتّجسّس ونقل معلومات.

ولأسباب ترتبط بسهولة الإقناع والتّأثير فيهم والسّيطرة عليهم؛ يتمّ توظيف هؤلاء الفتيان من قبل الجيش أو الجماعات المسلّحة مستغلّين في ذلك عوامل البساطة وعدم القدرة على تقييم الخطر الّتي ترتبط بعمر الطّفولة، إضافة إلى طمع الأطفال بالتّغلّب على الفقر والرّغبة بتأمين العيش لهم ولأُسرهم والّذين فقدوا مَن يعيلهم نتيجة الحرب، وكذلك لاعتقادهم بأنّ الانضمام للجّيش له تأثير في تنمية شخصيّتهم إذ يعتبرونه ممرّاً للنّضوج.

تُستخدم بكثير من الأحيان؛ أساليب التّهديد والخطف والإجبار في الحصول على الأطفال الضّحايا، وخصوصاً الفتيات، لاستخدامهم في أعمال الدّعارة والاغتصاب حيث يتعرّضون لأشدّ مستويات العنف والأذى في غياب القوانين ومعاقبة الجناة. عدا عن عمليّات المتاجرة بهم والاستعباد الّتي تطال الجنسين معاً. وكيف لا وعمليّة الاتّجار بالبشر كانت ولا تزال من أهمّ الأعمال على مستوى العالم، الّتي تُقدّر أرباحها بالملايين.

غير أنّ ما يحدث في غزّة الآن يعتبر من التّحدّيات غير المسبوقة نتيجة القصف المتواصل والجارف والعشوائي الّذي يمارسه الإسرائيليّون وحلفاؤهم ضدّ السّكّان هناك، ممّا قدّم المكان ليكون الأسوأ حياةً للطّفل بكلّ العالم، وأحدث تغييراً بالإحصائيّات وجعلها تزداد سوءاً كمّاً ونوعاً وقساوة.

يقول روب ويليامز Rob Williams، المدير التّنفيذي لمنظّمة أطفال الحرب Warchild Organization، بأنَّ “الحاضر ليس فقط وقت سيّء لتكون طفلاً، بل هو أسوأ وأخطر الأوقات لأن تكون طفلاً في التّاريخ الحديث، وعلينا أن نكثّف العمل وبشكل مختلف إذا ما أردنا تغيير النّتيجة لجيل مستقبلي سوي.” وهو ما قام به بالفعل، حيث تمّ إنشاء التّحالف العالمي، وهي شبكة من المنظّمات الأعضاء تعمل معاً بنهج لا مركزي يمنح فئة اليافعين في بلدان الصّراع صوتاً أقوى يساهم في الوصول إلى المزيد من الأطفال المتضرّرين وتوسيع نطاق أنشطتهم لتلبية أكبر قدر ممكن من احتياجات الطّفولة. باعتبار تلك الفئة (اليافعين) الأقدر على فهم احتياجاتها وبأنّها مَن يمتلك أفضل الحلول لمشاكلها.

أمّا بالنّسبة لأطفال غزّة. فقد أفاد معهد الأمل هناك، والّذي كان يُعتبر قبل الحرب، أهمَّ المراكز الإغاثيّة المناط به مهام رعاية الأطفال الأيتام ومجهولي الهويّة أو الّذين تمّ فصلهم عن ذويهم، بأنَّ أعداد هؤلاء الأطفال كان 33 ألف طفل نتيجة الحروب المتعاقبة الّتي سبقت حرب 7 أكتوبر. وأصبح العدد  بعد نحو ستة أشهر على الحرب ؛ يتجاوز ال 35 ألفًا ممّن فقدوا أحد الوالدين أو كليهما.

وحسب تقرير اليونيسف بمطلع فبراير 2024، فإنّ 17 ألف طفل باتوا منفصلين عن ذويهم، و1000 طفل آخر تعرّضوا لبتر في الأطراف، وإنَّ أكثر من نصف الوفيّات، الّتي قارب عددها ال 34 ألفاً، هم من الأطفال. عدا المفقودين تحت الأنقاض والّذين لا يُعرف عددهم أو لم يتمّ التّعرّف على هويّتهم بعد. علماً بأنّ الأرقام -كما أفاد التّقرير- مجرّد تقديرات؛ نظراً لصعوبة الإحصاء الدّقيق في ظروف الحرب.

يُشار إلى أنَّه كان هناك 4 دور رعاية للأطفال، تحوّلت بعد الحرب إلى دور إيواء لمجمل النّازحين؛ ولتصبح الجمعيّات الخيريّة العربيّة سبيل الأيتام الوحيد للكفالة بعد أن ضاق الحال بمعظم الأُسر الّتي أضحت غير قادرة حتّى على إعالة أطفالها الخاصّة بها، ممّا قلّص حظوظ الأطفال الأيتام والمفصولين عن ذويهم بالانضمام لتلك الأسر لتلقّي الرّعاية، كما كان سابقاً.

أفادت تقارير اليونيسف ومنظّمة إنقاذ الطّفولة مؤخّراً بأنَّ الرّفاهيّة النّفسيّة والاجتماعيّة لأطفال غزّة منعدمة وبأنّه لا يوجد هناك ما يُدعى “باضّطرابات ما بعد الصّدمة” لأنَّ الصّدمة مستمرة مع النّوبات المتكرّرة من القصف والقتل والتّدمير الّتي امتدّت، ولا تزال، لأكثر من عقدين. فبينما ينتحب الكبار، يقف الأطفال بعيون شاخصة يراقبون دون أن تظهر على وجوههم أيّة تعابير. هذا ويتمّ تسجيل أعراض صدمة خطيرة، كالتّشنّجات والتّبوّل غير الإرادي ونوبات الهلع والسّلوك العدواني والعصبيّة ورفض ترك الأهل. ناهيك عمّا تمَّ إخفاؤه من أعراض؛ حيث تكون الآثار أخطر، كما أفاد الأطبّاء.

أمّا الحصار الطّويل؛ فقد خلّف إصابات جماعيّة بالاكتئاب والقلق والفزع بين 4 من كل 5 أطفال قبل الحرب القائمة. ولوحظ تدهور كبير في صحّة الأطفال العقليّة مقارنة بسنوات ما قبل الحرب.

وحسب تقرير وزارة الصّحّة، فقد تمّ تسجيل 18 حالة وفاة، مرشّحة للزّيادة، بين أطفال غزّة حتّى تاريخ 6/3/2024 نتيجة الجوع والجفاف. ويقول برنامج الغذاء العالمي أنّ الجوع سجّل مستويات كارثيّة بسبب شحِّ المساعدات والمواد الإغاثيّة.

وأخيراً، ولكي يحصل الأطفال على الدّعم المُنقذ للحياة، نحتاج لإيقاف تلك الحروب المأساويّة المدمّرة للطّفولة، كما هي لكلّ شيء آخر، وإحلال السّلام الّذي يعود بالخير ويرجوه الجميع.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button