مقال اليوم
الحسكة سلة غذاء سوريا، وقلب الجزيرة النابض

مضر الشيخ إبراهيم 

“أنت أكيد من الحسكة؟”. كان هذا سؤالًا طرحته زميلة لي في كلية الحقوق بجامعة دمشق، وهي من إحدى المحافظات السورية الوسطى، في خريف عام 2004.
هنا نفهم مجددًا أن التنميط هو أريكة العقل، وأن أبناء تلك الجغرافيا ليسوا كما تعرضهم بعض المسلسلات السورية ذات الطابع البدوي التي كانت تُعرض أيام الجمعة على الشاشة السورية. فالأذهان البسيطة تختصر مناطق ومدنًا عمرها آلاف السنين في مشهد واحد، متناسية التلال الأثرية الشهيرة، مثل تل حلف، وتل موزان، وتل براك، وتل شاغر بازار.
والتلال الثلاثة الأخيرة ذكرتها الروائية البريطانية الشهيرة أجاثا كريستي بتفصيل في كتابها «تعال، قل لي كيف تعيش»، عندما رافقت زوجها، عالم الآثار البريطاني ماكس مالوان، الذي أقام عدة أشهر في القامشلي مديرًا لبعثات تنقيب تابعة للمتحف البريطاني. ويبدو أن وجودها هناك أتاح لها الولوج المباشر إلى مجتمع سوري أصيل ومتنوع، فدوّنت الكثير من ملامحه وتفاصيله.
ويضم هذا المجتمع خليطًا من الأديان والقوميات والقبائل، يصعب أن تجد له مثيلًا من حيث التعددية في بقية المدن السورية. وإلى جانب أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، يوجد أتباع الشيخ عدي بن مسافر، صاحب المقام في لالش، وأعني أهلنا الإيزيديين، وهم من أكثر الناس طيبةً وكرمًا ولطفًا واندماجًا.
ولعل أجمل ما ابتدعوه اجتماعيًا هو رابطة «الكريف»، التي أضيفت إلى روابط المصاهرة والجيرة والشراكة، فأصبحت تعبيرًا عن وحدة الحال المجتمعي. وتعني أن يُجرى ختان الطفل الإيزيدي في حضن زعيم قبلي عربي، أو وجيه مسيحي بارز، أو شخصية كردية محترمة، فينشأ بين الطرفين رابط اجتماعي متين يتجاوز كثيرًا من الحواجز التقليدية، ويعمق الاندماج داخل النسيج المجتمعي.
ورحم الله والدي، فقد كان «كريفًا» لعشرات من أهلنا على اختلاف مللهم، لأن هذه العادة الاجتماعية الجميلة، بما تحمله من ود ومحبة، انتقلت بين الجميع، وانبثقت منها شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية الدافئة.
هذه هي الحسكة، الممتدة على أكثر من أربعة وعشرين ألف كيلومتر مربع.
وفي هذا المجتمع، كثيرًا ما تجد أبناءً يجمعون بين انتماءات آبائهم وأمهاتهم. أعرف شخصًا كان والده وأعمامه من زعامات القبائل، يدور الحديث في مجالسهم عن بطولات الأجداد والفروسية والغزوات والكرم والسلاح، بينما أخواله من شيوخ الطرق الصوفية، يدور الحديث في مجالسهم عن الزهد، والتقرب إلى الله، وترك زخارف الدنيا.
وبين الديوان العشائري والتكية الصوفية عاش هذا الشخص تلك التناقضات الجميلة، ثم خرج منها مع النضج مستفيدًا من عالميهما معًا.
وكذلك تجد أبناءً يتحدثون العربية والكردية، وآخرين العربية والسريانية، وغيرهم العربية والآشورية، فتتشابك العادات والأعياد وأصناف الطعام، كما تتوارث الأعراف والأصول والمحاذير الاجتماعية جيلاً بعد جيل.
ولهذا يصف المختصون الحسكة بأنها سلة غذاء سوريا، مع شقيقتيها، بالمعنى المجازي، الرقة ودير الزور، لما تضمه من سهول زراعية خصبة، وثروة حيوانية، وأنهار، وحقول غاز ونفط.
لكن مع تبني النهج الاشتراكي، وانتهاء تجربة شركة أصفر ونجار، إحدى أكبر شركات الاستثمار الزراعي في سوريا، أواخر ستينيات القرن الماضي، خلال حكم حزب البعث، صُنفت مناطقنا، وفق الخطط الخمسية ذات المنشأ السوفييتي، ضمن «المناطق النامية». ولا أجد سببًا مقنعًا لذلك، سوى ما يقال عن الرغبة في التغطية على موارد النفط، والحديث في هذا يطول.
وبالعودة إلى الحسكة، والقامشلي، وعامودا، ورأس العين، والدرباسية، وتل تمر، والمالكية، كان مشوار يوم الأحد بهجةً للناظرين كل أسبوع. طقسٌ اجتماعي جميل كرّسه أهلنا المسيحيون؛ هندام أنيق، وصلاة في الكنائس، وإغلاق لسوق الذهب، ثم لقاءات في المقاهي والمطاعم.
وكان يسبقه، في ليالي السبت الصيفية، سهرات عائلية راقية، خاصة مع عودة المغتربين في إجازاتهم، تصدح فيها الأغاني العربية والكردية، والأهم الماردلية، والسريانية، والآشورية.
أما يوم الجمعة، فله نكهته الخاصة؛ صلاة في المساجد، واجتماع للعائلة، وفي كلا اليومين كانت الحياة تزخر بالبهجة. وكذلك أعياد نوروز، التي كانت، وما زالت، عيدًا للجميع دون تمييز.
ولولا تصنيف محافظتنا ضمن المحافظات النامية، على غير وجه حق، لكانت الحسكة اليوم في مكان آخر.
وكان نادي الجزيرة، الذي جمع الجميع، أحد أجمل وجوه تلك المدينة؛ فمن جومرد، وعبد الله أبو نجم، وجوزيف، ودعوس، وبراك، وجوان، كانت نقطة التعادل وحدها كفيلة بأن تُدخل الفرح إلى الحسكة لساعات طويلة. وكذلك كان نادي الجهاد في القامشلي مصدرًا للفخر والبهجة.
وبين القامشلي والحسكة شيء من الغيرة المحببة؛ فالقامشلي تمتاز بمطارها الدولي، وتخطيطها الفرنسي، ومسابحها الصيفية المشابهة لبيروت ومنتجعاتها ، بينما تمتلك الحسكة كثيرًا من الروابط والمحبة التي جمعت أبناء المدينتين.
كل ما سبق كان قبل الحرب الطاحنة. ثم جاءت الأزمة، ومعها هاجرت غالبية النخب، وأصبح مشوار يوم الأحد خجولًا جدًا، وبدأ السذج يتراشقون بالمسميات القومية ورموزها، مدحًا وقدحًا، ودخلت السياسة في كل شيء فأفسدته.
ولله در أهلنا… فهم اليوم يعيشون في ظروف قاسية؛ لا ماء، ولا كهرباء، ولا اتصالات بالمعنى الكامل، وكل ذلك نتيجة تجاذبات سياسية ضيقة صنعتها أيدي البشر.
ومع ذلك، فقد أفاض الله هذا العام على المزارعين موسمًا وفيرًا، وأدخل الوهاب السرور إلى قلوب الناس بعد سنوات طويلة من الجفاف.
ولن يبقى شيء على حاله، وستبقى هذه البلاد، رغم ما أصابها من شيخوخة بفعل تراكم الإهمال، أكبر من محنها.
وكما قال الروائي الفلسطيني الراحل حسن سامي يوسف:
المدن لا تشيخ بتعاقب العصور.. بل بتراكم الإهمال”




