مقال اليوم

العفو العام في سوريا، جسرٌ للوئام أم فتيلُ انقسام

راشيل بيطار

في لحظة سياسية دقيقة تعيشها سوريا، ومع استمرار إعادة تشكيل مؤسسات الدولة في ظل المرحلة الانتقالية، صدر مرسوم العفو العام لعام 2026 بتوقيع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع .

 جاء القرار في مناخ مشحون: انقسام مجتمعي عميق، إرث قضائي ثقيل، مطالب بالمصالحة من جهة، ومطالب بالعدالة والمساءلة من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، نطُرح سؤالا” جوهريا”: هل العفو خطوة نحو الاستقرار… أم مجازفة دستورية غير محسوبة لأسباب غير معروفة؟؟

يستند تقييم المرسوم إلى الإطار الحاكم للمرحلة، أي الإعلان الدستوري السوري للمرحلة الانتقالية، وإلى المبادئ العامة الواردة في الدستور السوري. ومن هنا يبدأ الجدل القانوني.

أولًا: حدود المرحلة الانتقالية وصلاحياتها

المرحلة الانتقالية بطبيعتها مؤقتة، وهدفها تثبيت الاستقرار المؤسسي والتحضير لانتقال دستوري دائم. لذلك، تُفهم صلاحياتها في إطار الإدارة المؤقتة لا في إطار القرارات ذات الأثر البنيوي طويل الأمد.
العفو العام، خصوصًا إذا كان واسع النطاق، لا يقتصر على إجراء إداري؛ بل يمس السياسة الجنائية للدولة ويؤثر في مسار العدالة على المدى البعيد وهنا يبرز الاعتراض الأول فهل ينسجم إصدار عفو شامل مع فلسفة مرحلة يُفترض أن تتسم بالتحفّظ والتوازن؟

ثانيًا: الشرعية التمثيلية وغياب الرقابة البرلمانية

من أبرز نقاط الجدل صدور العفو عن رئيس مرحلة انتقالية غير منتخب انتخابًا عامًا مباشرًا، وفي ظل غياب مجلس شعب منتخب يمارس رقابة تشريعية.
القرارات ذات الأثر العام كالعفو الشامل تمس المجتمع بأسره. وعندما تصدر دون نقاش نيابي أو إقرار بقانون صادر عن هيئة تمثيلية، يُطرح تساؤل حول مدى اكتمال مشروعيتها الشعبية. صحيح أن بعض الأنظمة تمنح الرئيس حق العفو، لكن السياق الانتقالي يضاعف أهمية الرقابة والتوازن المؤسسي.

ثالثًا: إخلال بمبدأ الفصل بين السلطات

العفو العام يؤدي قانونًا إلى إسقاط الدعوى العامة أو محو العقوبة وآثارها. وإذا صدر بينما قضايا لا تزال منظورة أمام القضاء، فإنه يُنهي إجراءات قبل أن يقول القضاء كلمته. والعفو الذي أصدره الشرع يشمل كل الجرائم ” المرتكبة” حتى تاريخ إصدراه وبالتالي يشمل الجرائم التي لم تعرض على القضاء أساسا”.

المنتقدون يرون في ذلك مساسًا بمبدأ الفصل بين السلطات، إذ تُسحب من القضاء وظيفته الأصلية في الفصل في النزاعات الجنائية. وفي مرحلة يُفترض أن تعيد ترسيخ دولة القانون، قد يُفهم هذا التدخل كتراجع عن مبدأ استقلال القضاء.

رابعًا: مخالفة العفو للإعلان الدستوري الذي صدر في عهد الشرع نفسه

المفارقة القانونية الأبرز أن مرسوم العفو صدر في ظل الإعلان الدستوري السوري للمرحلة الانتقالية، وهو الإطار الذي يفترض أنه يقيّد السلطة لا أن يوسعها.

فالإعلان الدستوري أُقرّ لتنظيم المرحلة الانتقالية على أساس:

  • تقييد السلطات الاستثنائية
  • منع تركّز القرار في جهة واحدة
  • ضمان التوازن المؤسسي
  • حماية مسار إعادة بناء الشرعية

إذا كان الإعلان لم يمنح رئيس المرحلة الانتقالية صلاحيات تشريعية كاملة أو مطلقة في إعادة رسم السياسة الجنائية للدولة، فإن إصدار عفو عام واسع النطاق قد يُعد تجاوزًا للنص الذي ينظم هذه المرحلة.

وفي النهاية العفو العام ليس مجرد إجراء قانوني و إداري و إذا غلب منطق السرعة على منطق الشرعية، قد يتحول العفو من أداة لتهدئة المجتمع إلى مصدر جديد للانقسام.أما إذا خضع لضوابط دستورية واضحة، ورقابة مؤسسية حقيقية، واحترام لمبدأ سيادة القانون، فقد يكون مدخلًا لبناء ثقة جديدة بين الدولة والمجتمع

lo3bat elomam

Recent Posts

لبنان ليس متروكًا، فهل يساعده العرب فعلاً

سامي كليب   ارتفاع مستوى العدوان الاسرائيلي على #لبنان ، واعلان جيش الاحتلال السيطرة على…

يوم واحد ago

العالم بعد ترامب: سيناريوهات بعضها مُظلم

روزيت الفار-عمّان "العالم بعد ترامب" عنوان لحوار ومقال مطوّل نشرته صحيفة الفورين بوليسي الأمريكيّة في…

يومين ago

تدمير صور و٥ ألاف عام من الذاكرة الانسانية المُشتركة وسؤال الحضارة

بروفسور ماريز يونس- باحثة واستاذ بالعلوم الاجتماعية تحمل مدينة صور فوق أرضها ما يقارب خمسة…

يومين ago

La Louisiane française, l’empire perdu de Napoléon

La Louisiane française, l’empire perdu de Napoléon Nadine Sayegh – Paris Comment un immense territoire…

5 أيام ago

اتفاق ترامب/ايران حين تتقدم المصالح على المباديء

سامي كليب  لا شك في أن العالم يعيش لحظاتٍ استثنائية قد تقلب وجه الشرق الأوسط…

أسبوع واحد ago

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes Nadine Sayegh - Paris On l’associe…

أسبوعين ago