يوسف زيدان : وَهمُ الأندلس وخطأ الخليفة وإغتصاب الأميرة

سامي كليب:
يجب أن يكون القاريء مُتسلّحا بكثير من القراءات والوثائق والمراجع، كي يدخلَ الى أحد كتُب الأديب والروائي والمفكّر والباحث العربي يوسف زيدان، ويخرج سالماً مُعافى. فالرجلُ أخذ قرارا منذ سنوات طويلة بالدخول الى كل تاريخنا العربي الاسلامي المسيحي والى تاريخ اليهودية، لينسف الكثير من المُسَلّمات، ويعيد قراءة الروايات التاريخية والوثائق من منطلقٍ نقدي عميق، ويكسر ما يصفها ب ” متاهات الوهم“. لا بأس أن يثير ضده حملات قاسية من كل الجهات، فيتهمه بعض المسلمين بالإلحاد، وبعض المسيحيين بالعنصرية، وبعض العرب بمحاباة اليهود. هو يكتفي بالإبتسام من فوق جسده المُمتلىء وعقله الموسوعي، ليقول ما معناه: آتوني بما يناقض الوثائق التي أفردها أمامكم ولنقابل الوثيقة بأخرى حتى يكون اليقين.
ثم إن يوسف زيدان المتخصص بالتراث الإسلامي، والحامل شهادة دكتوراه من الاسكندرية حيث أشرف على مخطوطات المكتبة العالمية العريقة هناك، والذي أتحفنا بأكثر من 60 كتاباً، والذي حققت مؤلفاته نجاحا باهرا وحاز بعضها ( عزازيل) على جوائز عالمية ، يملكُ ناصية اللغة، وسحرَ التعبير وأسرارَ البيان، فتنساب روايتُه التاريخية في العقول والقلوب كمن يتذّوق حلوى ” أم علي” في أحد المقاهي على شاطيء النيل، الا إذا كان القاريء قد قرّر سلفاً أنه سيناقض كل ما يقرأ خوفا من أن تُغيّرَ المؤلفاتُ الزيدانية قناعاته. وهو فوق هذا كله، يملك روح الدعابة، فيجذب ألباب سامعيه في محاضراته الكثيرة.
فكّرتُ بكل هذا، وأنا أنهي قراءة كتاب” متاهات الوهم”. فيوسف زيدان يسعى في فصولِه السبعة لبعثرة الأوهام التي إعتقد الكثير من العرب والمسلمين أنها حقائق لاستنادها الى تاريخ قالوا إنه مُحقّق، وهو في الواقع غير محقّق، وإنما يستند الى رغبات الخَلَف في نسفِ تاريخ السلف، كما حصل مثلا بين العبّاسيين والأمويين، وكما يحصل دائما وحتى يومنا هذا.
ولأني لا أريد أن أُفسد عليك يا قارئي العزيز مُتعة إقتناء الكتاب المُمتع والغني ومتعةَ قراءتِه حتى لو صدمك. فسوف أكتفي بسرد بعضٍ مما يراه زيدان مغالطات وأوهاما في قصة الأندلس:
من هو طارق بن زياد وماذا فعل؟
- استخّف بعضُ البربر في أقصى الأرض ( بلاد المغرب) بالولي الإسلامي الجديد ” موسى بن نُصير” الذي تولّى الأمر هناك سنة 89 هجرية، فثاروا عليه وتجمّعوا ضده. لكنهم فوجئوا به يضرب ( بيد حديدية) جموع الثوار من قبائل هوّارة وزناته وكتامة وصنهاجة، ويعود بهم قسرا الى حظيرة الطاعة. وحين اعتصمت فلول الثوار ببلدة ” طنجة” المطلة على البحر، عصفت بهم قوات المسلمين التي قادها ضابطٌ من البربر الذين صحّ اسلامُهم، هو اليدُ اليُمنى للأمير موسى بن نصير ” طارق بن زياد الليثي” الذي استعان بالبربر الموالين للمسملين، وفلّ بالحديد الحديدَ، حتى اقتلع بذورَ الثورة من حوافِّ المغرب.
( اول مُلاحظة اذاً، هي أن طارق بن زياد البربري ( أو الأمازيغي) قتل الكثير من البربر بإسم الاسلام قبل أن يذهب الى الأندلس).
- طارق بن زياد: لم يقم بإحراق السفن بعد عبوره ( المضيق) في شهر رجب سنة 92 هجرية( نيسان/ابريل سنة 711 ميلادية) ، حسبما يعتقد معاصرونا، لأنها ( أي السفن) لم تكن ملكا له أو للمسلمين . وكان طارق بن زياد جنديا صعب المراس، طويلا أشقر، في عينه حَول، وباحدى يديه شلل، وكان يندفع بجنده في القتال فيكون مثل جلمود صخر حطّه السيلُ من علٍ.
- الخطبة النارية التي تناقلها المؤرخون المتأخرون زمنا ( لا بد أنهم زادوها بلاغة وتحسينا لفظيّا) وهي في ما أرى، سبب انتشار الخرافة القائلة بأن “طارق” أحرق السفن بعد عبوره الى الاندلس
( ثانية المُلاحظات إذا ان خطبة طارق بن زياد محوّرة وان قصة إحراق السفن مُزوّرة)
- عبر المسلمون البحر الى الجهة المقابلة للمغرب ( الأندلس) بدعوة من الكونت يوليان الذي كان حانقا، حسبما قيل، على ملك اسبانيا الجديد لسببين: الأول، أن الكونت يوليان أرسل إبنته الجميلة ” فلورندا” الى البلاط الملكي في طليطلة، كي تتعلم فنون الإتيكيت ومراسم حياة القصور، وهو أمرٌ كان مُعتاداً هناك آنذاك. غير أن الملك رودريك افتتن بجمال “فلورندا” وطاش عقلُه بسبب سحر أنوثتها الطاغية، فاغتصبها، ولما علم أبوها بذلك استدعاها من هناك، فلما جاءت ملفوفةً بأردية العار أقسم أبوها على الانتقام.
وأما السبب الثاني لخلاف الكونت مع الملك، حسبما يقول المؤرخون، فيرجع الى أن الكونت يوليان كان يملك من القوة والمال والسفن الكثيرة، ما يؤهله لامتلاك الأراضي الاسبانية كلها، وعندما انتصر الملك رودريك، فرّ من أمامه الأمراء الموالون للملك المخلوع ولجئوا الى ” يوليان” للاحتماء به… أراد يوليان أن يحقق أمنية في نفسه، بأن يصير ملكا للقوط كلهم. غير أن قواه العسكرية لم تكن تكفي لتحقيق هذا الأمر، ومن هنا لجأ الى موسى بن نصير وقائده العسكري طارق بن زياد طلبا لمعونتهما في الأمر واعداً إياهما بمكافأة أذا تم له مناه ( الذي لم يتم قط)
( ثالثة المُلاحظات، هي اذا، أن ذهاب المسلمين الى الأندلس لم يكن رغبة منهم بالفتح، وانما للمساهمة بغسل عار أميرة اغتُصبت ولتحقيق حلم طامح الى المُلك..) .
- الخليفة الأموي هو الذي رفض اقتراح موسى بن نُصير باستكمال الفتوح الى إيطاليا لأنهاء سُلطة الأمبراطورية المسيحية البيزنطية الى الأبد، وهو الأمر الذي كان مُمكنا ومضمون النجاح، لو كان الخليفة قد سيَّر جيشاً آخر من الشام لاحكام الحصار على بيزنطة وروما وسائر الأقطار الأوروبية المُطلّة على البحر المتوسّط ولكن الخليفة كان له رأي آخر، غير نشر الأسلام!
( رابعة المُلاحظات إذاً، أن الخليفة الأموي ضيّع فرصة تاريخية لفتح كامل أوروبا حين كان ذلك مُيسّرا ومتوفّرا وذلك لاسباب كثيرة ضيّعت الأندلس لاحقا)
تحت عنوان : ماذا كان مصير ” موسى” الفاتح المغورا، عند الخليفة؟
يكتب يوسف زيدان التالي:
يقول المؤرخون :” استدعى الخليفةُ ( موسى بن نُصير) الى دمشق ( مقر الخلافة) فذهب اليه ومعه من الغنائم: ثلاثون ألف اسير، بينهم اربعمئة أمير قوطي على رؤوسهم التيجان، وثلاثون ألف عذراء من بنات ملوك القوط وأعيانهم، وعدد غفيرٌ من العبيد الغلمان والمجوهرات” .. وكان موسى بن نُصير قد جعل ولده ( عبد العزيز) حاكما على الاندلس، حتى يعود اليها، لكنه لم يعد، ولم يظل إبنه حيّاً! فقد أرسل الخليفة جماعة الى ( عبد العزيز بن موسى بن نُصير) فقتلوه في قصره، وحزّوا رأسه وجاءوا به الى الخليفة، فدفعه في المجلس الى أبيه موسى ( الفاتح) وجرّده من مناصبه وأمواله، وبالغ في إيذائه وإذلاله..ومات موسى بن نُصير في قرية نائية بالحجاز، بعدما قضى أواخر حياته شحّاذاً، يدور على الخيام ليسأل الناس( يشحت) الطعام.
هنا في الملاحظة الخامسة نصل الى إحدى أبرز مصائب العرب والمسلمين تاريخيا وحاضرا، ذلك أن الشُجعان يُقتلون بيد من خدموهم، ويبقى الانتهازيون، وهنا يسرد يوسف زيدان كثيرا من الامثلة وبعضها التالي:
- موسى بن نُصير أنّب طارق بن زياد ( بعد الفتوحات الأولى في بلاد الاندلس) وبالغ في إهانته ( لأنه كان قد تأخر في فتح بلدة اسمها : ماردة) وزجّه مصفّداً الى ظلام السجن، وقيل بل همَّ أيضا بقتله.
- خالد بن الوليد (الفاتح) كوفيء على فتحه العراق والشام، بالعزل من قيادة الجيش.
- عمرو بن العاص الذي فتح مصر والأسكندرية ( أول مرة) كان جزاؤه العزل، وحين عاد الروم للإسكندرية أعيد عمرو الى قيادة الجيش وفتحها ( للمرة الثانية) فكان جزاؤه مجدّدا العزل.
- عبدالله بن أبي سَرْح، الذي انتصر على الروم في “ذات الصواري” وغزا ” تونس” لأول مرة وغنم منها، كان جزاؤه بعد مقتل الخليفة عُثمان، هو العزل حتى مات معزولا في قرية بنواحي فلسطين.
- كذلك كان مصير القوّاد الذين افتتحوا افريقيا من أمثال عقبة بن نافع، وعبدالله بن الزبير، فإما كانوا يُقتلون في الحروب ، او يقتلون مثل الفاتح ” عبدالله بن الزبير” على يد الخليفة.
هكذا هي كتب يوسف زيدان، تهز عقولنا هزّا، تدعونا الى مُراجعة الكثير من المُسلّمات، تدفعنا دفعنا صوب المكتبات ومحركات البحث كي نعيد قراءة ما كنا نعتبره من ثوابت التاريخ العربي-الاسلامي. إن قراءة كُتُبِه ليست بالأمر العابر حتى ولو كانت غنية المضمون وجميلة السرد، فهي مثل نقرة الى restart ( إعادة التشغيل ) على حواسيبنا، تطلبُ منّا أن نُراجع كل ما عرفناه، فهو بقدر ما شرح في هذا الكتاب مثلا الانجازات العلمية والأدبية والطبية والفلسفية والفنية الهائلة التي إزدهرت في عصر المسلمين بالأندلس، كان يفكّك الرواية او الروايات السائدة، ليقول : ليس كل ما كُتب صحيح، واحذروا “متاهات الأوهام”
كتاب “متاهات الوهم” صادر عن دارش الشروق في مصر، وكانت الطبعة الأولى منه في العام 2013، وهو جزء من ثلاثية الكتب الظاهرة في الصورة أعلاه.