زيارة الرئيس الصيني إلى باريس: 15 اتفاقًا وكونياك وتوتّر

زيارة الرئيس الصيني إلى باريس: 15 اتفاقًا وكونياك وتوتّر
باريس-مرح إبراهيم ( وصحف فرنسيّة)
عامَ 2014، قدّمَ الرّئيسُ الفرنسي فرانسوا هولاند لنظيره الصينيّ شي جين بينج نبيذَ كونياك معتّق منذ عام 1964، احتفاءً بمرور 50 عامًا على اعتراف شارل دو غول بجمهوريّة الصّين الشعبيّة. مرّت عشر سنواتٍ وبقي الكونياك الفرنسيّ في قلب زيارة الرئيسِ الصينيّ إلى فرنسا، التي جرت يومي 5 و6 أيار/ مايو الجاري، عنوانًا للتوتّر المتصاعد بين الاتّحاد الأوروبي وثاني أكبر قوّةٍ اقتصاديَّةٍ في العالم : قدّم الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون لنظيره الصينيّ زجاجةً من نبيذ الكونياك Louis XIII، على حين أن بكين أطلقت تحقيق مكافحة إغراق على الكونياك الفرنسيّ، وما هذا، في الحقيقةِ، سوى ردّة فعل من الصين إجراءٌ على مناوراتِ المفوضيّة الأوروبيّة، إذ اشتبهت بدعم الصين مصنّعي سيّاراتها الكهربائيّة، مما دفع بروكسل في خريف هذا العام، إلى التحقيق في ما عدّته منافسةً غير مشروعة.
على خلفيّة زيارةِ الرئيس الصينيّ شي جين بينغ إلى باريس، بمناسبة الذكرى الستين لإقامة العلاقات الديبلوماسيّة بين فرنسا وجمهوريّة الصّين الشعبيّة، دعا ماكرون، رئيسةَ المفوضيّة الأوروبيّة أورزولا فون دير لاين، بغية إعادة الحوار المتعثّر بين بكين وبروكسل حول الشؤونِ التّجاريّة.
وبينما حاولَ كلّ من الرؤساء الثلاثة إيجاد توافقٍ بشأن الحرب الأوكرانيّة، طبعت الخلافاتُ التجاريّة بين الاتّحاد الأوروبيّ والصّين اللقاءَ الثلاثيّ، في ظلِّ توتر العلاقات بين بروكسل وبكّين خلال الأشهر الماضية، وذلك بعدما ناهز العجز التجاريّ الأوروبيّ أمامَ “مصنع العالم”، 400 مليار يورو في العام 2022، ثم بلغ 291 مليار يورو في العام 2023، وهو اختلال مذهل في التوازن، لا يني يثيرُ هاجسَ المفوضيّة الأوروبيّة : استحوذت الصّين على الحصّة الأكبر من الواردات الأوروبيّة في العام 2022.
كانت فون دير لاين قد قدّمت، في خطابٍ بارزٍ لها، في مارس/آذار 2023، أي قبيل ذهابها إلى بكين، مبادئ جديدة تهدف إلى “الحدّ من مخاطر الاعتماد على الصين وعوامله”، قائلةً إنّ “علاقاتنا الدبلوماسية غير متوازنة وتزدادُ تأثرًا بالاختلال الذي خلقه نظام الدّولة الصينيّة الرأسماليّ”.
أعربَ الرئيس الفرنسيّ، خلال زيارة الرئيسِ الصينيّ، عن رغبته في “طرح مخاوفه بكلّ ودٍّ وثقة، “لمحاولة التغلب عليها”، داعيًا إلى وضع “قواعد تجارية عادلة”، إلّا أنّ الرئيس الصينيّ استنكرَ وجودَ ما يسمى بـ “قدرة الصين الفائقة”، مقدّراً أنّ صناعة الطاقة الجديدة الصينيّة أمكنت زيادة العرض العالمي وتخفيف الضغط الناتج عن التضخّم العالمي.
وأمام 200 شخصٍ من كبار رجال الأعمال الفرنسيين والصينيين المجتمعين في مسرح ماريني، خلفَ الإليزيه، كرّرَ برونو لو مير، وزيرُ الاقتصاد الفرنسيّ، رغبة إيمانويل ماكرون في إقامة “شراكة متوازنة”، مذكّرًا بالعجز التجاريّ الفرنسي الهائل مع الصين، البالغ 46 مليار يورو. وبينما تثيرُ تحقيقات المفوضيّة الأوروبيّة في الإغراق الصيني لصناعة السيارات الكهربائية و الألواح الشمسية و شركة السكك الحديدية العملاقة CRCC غضب بكين، أكّدَ لومير على الحاجة إلى “قواعد عادلة” لتحديد “المعايير البيئية والصحيّة ومعاييرِالدعم الماليّ”، كما دعا الصّين إلى “فتح مصانع في فرنسا” لمواجهة تصاعد المنتجات “المصنوعة في الصين”.
وسط أجواء سلّطتِ الضوءَ على الصداقة الفرنسية الصينية، في الذكرى الستين لاعتراف دو غول بجمهوريّة الصّين، لم يشذّب جان لوميير، رئيس مجلس إدارة بنك بي إن بي باريبا، كلماته، محذّرًا من أن “العلاقات (الثنائية) عرضة لخطر كبير إذا لم يُعالج السياسيّون وأصحابُ الشركات” هذه الاختلالات. أمّا، يو يوانتانغ، المدير العام للشؤون الأوروبيّة في وزارة التجارة الصينية، فأشارَ إلى أن التحقيقات الجارية ليست إلّا “إشارات سلبية”. لكنّ التوتّرات هذه بين أوروبا والصّين لم تمنع توقيع نحو خمسة عشر اتفاقا تجاريًّا يوم الاثنين، بما في ذلك عقد توريد محرّكات كهربائيّة لمترو هيفي بين ألستوم وشركة سي آر آر سي وشراكة استراتيجيّة في مجال البطاريات بين شركة شيامن تنغستن للطاقة الجديدة و شركة أورانو الفرنسيّة.
تندرجُ التحديّات التجارية التي سادت الحوارَ خلال هذين اليومين، ضمن منطق توازن القوى، فالصّين تحتاجُ إلى السوق الأوروبيّة ل”إنفاق فائضها” ودعم نموّها، والأوروبيّون يريدون حماية اقتصادهم، مما يدفعهم إلى فرض شروطهم واستمرارهم في التحدي، رغم موقف ألمانيا الخجول في هذه المواجهة. تبدو الصّين مذبذبةً في استراتيجيتها حيال الاتحاد الأوروبيُّ، فهل تعتبره شريكًا أم فريسة ؟ وماذا عن البلدين الآخرين اللذين اختار الرئيسُ الصينيُّ زيارتهما في جولته الأوروبيّة هذه: صربيا والمجر، ذات الأنظمة غير الليبرالية. فهل في ذلك دلالاتٌ أخرى؟