آخر خبر

    نعم …الحزب يحكُم لُبنان

سامي كليب:

الحزبُ يحكم لُبنان، هل في الأمر مغالاة فعلا؟ 

             لا يُناقضُ قدرةُ حزب الله على الإمساك بكل الملفّات الاستراتيجية في لُبنان، سوى سعيه الدائم لنفي هذه القُدرة. لا هو مُقتنعٌ بأنه لا يحكم لُبنان ولا الناس يقتنعون، لكن الجانبين يصطنعان الاقتناع.

 يكفي أن نُشيرَ مثلا الى استحالة انتخاب رئيس للجمهورية أو لمجلس النواب أو تسمية رئيس للحكومة دون موافقته. ويكفي أن نشير أيضاً الى تفرّده بقرار الحرب أو التهدئة مع العدو، حتى نعرفَ أنه بات سيّد لعبة الداخل والخارج بامتياز، وأن ما كان قبل الحرب السورية ما عاد موجوداً.

ولو أضفنا الى ذلك أن الحزبَ وحده هو الذي يُقرّر مصيرَ الثروة البحرية لجهة القبول بالترسيم أو نسفه، حتى لو انزلقت الأمور الى الحرب ( وهي قد تنزلق)، تكتمل صورة إمساك السيد حسن نصر الله وإخوانه بكل المفاصل، وأما الباقي فهي تفاصيل عابرة، تتغيّر وتتحوّل وفق مصالح وتحوّلات الحلفاء والخصوم.  

الضعف المسيحي

كان العميد ريمون إده (عميد حزب الكتلة الوطنية) رحمه الله، مُحِقّاً جداً حين راح يُردّد في أوج الحرب الأهلية وما تلاها، أن مشكلة المسيحيين في لُبنان هي في زعمائهم الذين يتقاتلون عند كل استحقاق فيتركون مصائرهم للآخرين يقرّرون عنهم. فها هو لُبنان اليوم الواقف على شفير الاستحقاق الرئاسي، يرى حركة دؤوبة عند الجميع للاتفاق على رئيس، بينما يبدو الطرف المسيحي في هذه الحركة الأكثر ضعفاً، فيذهب معظم الطامحين للرئاسة أو داعموهم يطرقون أبواب حزب الله للخضوع للامتحان.

المنطق نفسُه نجدُه في كتاب ” قصّة الموارنة في الحرب” لجوزيف أبي خليل (نُشر عام 1990)، فهو يتحدث عن :” تقصير العقل السياسي لدى المسيحيين الموارنة خصوصا عن استباق الأمور، وعن استباق المحن والأحداث، كأنه عقلٌ عاجز عن انضاج الحلول والتسويات الاّ على نار الحقيقة”.

الواقع ان واحدة من أهم عقبات اختيار رئيس مسيحي للبلاد وبصلاحيات حقيقية، تكمن في استمرار التنافس الشرس بين أقطاب الموارنة، وهو الباب الذي يدخل منه كل خصومهم وحلفائهم الثابتين أو العابرين، لاتخاذ القرار مكانهم في بلد ما زالت الطائفية تنهش لحمه لكن قدراتها تتغير من طائفة الى أخرى وفق الرياح الإقليمية والدولية.

المواجهة المُستحيلة.

في كتاب ” الثقب الأسود” الذي روى فيه الرئيس نبيه برّي بعضاً من ذكرياته للزميل نبيل هيثم، يُفاجأ المرء بحجم انهيار خصوم حزب الله حين هزّ وحركة أمل العصا ضدهم في أعقاب ردة الفعل العسكرية من الحزب على محاولة تقطيع خطوطه الهاتفية السلكية في 7 أيار 2008، فاجتاحت قوات الحزب بيروت وضواحيها وسعت لاختراق الجبل.

 يقول برّي:  “نحن فقد استبقنا تلك الخطوات بتوجيه إنذار مباشر وحذّرناهم من الإقدام على أية خطوة خطيرة ومستفزة لأنها ستفتح جُرحا لا يندمل … المضحك المُبكي أنهم حاولوا آنذاك مقايضتنا بشأن ملفّي المطار وشبكة الاتصالات بأن تبادر المعارضة الى فك الاعتصام وسط بيروت .. تمسّكنا بتحذيرنا أكثر … ووضعنا أمامنا ما قاله دافيد ولش عن الصيف الساخن، فكان لا بد من التحرّك وقلب الطاولة. … هنا لا بد أن أشير الى أن فريق 14 آذار صُدم بسرعة الانهيار الذي اصابه، وهو أمر صدم أيضا، السفارات الأجنبية والعربية التي كانت ترعى دولها هذا الفريق”.

 كما ينقل الرئيس بري عن الشيخ حمد بن جاسم ( رئيس وزراء قطر السابق) قوله (في 13 أيار 2008) ” طلبوا منّي أن ابلّغ السيد حسن نصرالله بأن الخصومة بيننا مؤقتة وتزول وان جبل لبنان سيكون سندا للمقاومة وستكون بيروت حاضنة للمقاومة ولا بد من الاجتماع والحوار لوأد الفتنة وانهالت الاتصالات العربية والدولية والتركية عليه لوقف ما حصل”.

بين القوّة المُسلّحة الجاهزة للتحرّك لو شعر الحزب بأي مساس بجوهر استراتيجيته الأمنية المحلية أو الإقليمية، والدور السياسي المحوري المرِن جداً في التربيت على أكتاف الحُلفاء والضحك على ذقون الخصوم الذين يطرقون بابه عند كل استحقاق، صار الحزبُ سيّدَ القرار في لُبنان. ما عاد حتى يُكلّف نفسه بفتح أبواب نصرالله لكل الزوار، وإنما قد ينحصر الأمر بالمستوى الأمني (في تكرار لتجارب أبو أياد وأبو جهاد الى جانب الرئيس ياسر عرفات). وبات الرئيس برّي سيّدَ تدوير الزوايا وتبريد الجبهات واطفاء صواعق التفجير وهندسة الأمور على نحو يوحي بالوسطية، فيربح الثنائي بقدر ما يُريد، بحيث يستطيع رفع نسبة الربح إذا شعر بالحاجة الى ذلك أو بتقليصها إذا ما ارتأى أن رياح الإقليم والعالم غير مُناسبة لربح أوسع، وهو ما حصل مثلا في الانتخابات الأخيرة.

لن تقومَ ثورةٌ شعبيةٌ في لُبنان بلا حزب الله أو حركة أمل، ولن تُخمَد ثورةٌ بلا الحزب والحركة، وقد أثبتت انتفاضة 2019 أن الثنائي قادرٌ فعلا بالموقف أو بالقوة والبطش أن يُبطلَ حركةَ الشارع إذا شاء، حتى لو أن جزءا كبيرا من هذا الشارع حمل مطالب حياتية ولم يكن ربيب السفارات أو المخابرات أو الأجهزة خلافاً لما اتُهمَ به.  

الحزب في كل الشرايين

لم يُخفِ نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم هذا التمدد للحزب في كل شرايين الوطن والمجتمع، فيقول في كتابه ” حزب الله-المنهج-التجربة-المُستقبل”: ” الحزبُ اسلاميٌ قبل أن يكون مقاوماً، والتزامه العقائدي هو الذي دفعه ليرفض الاحتلال ويقاتل إسرائيل، فهو يحمل منهجاً للحياة بشموليتها…لم يعد الحزب فكرة للإقناع، بل تحوّل الى واقع متجذّر في كيان الأمة، ولم يقتصر الحزب على المجموعات الجهادية العسكرية، بل دخل في كل النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي للناس”.

مع بسط الحزب قراره على معظم شؤون لُبنان، اختار الطرف الآخر إقليميا ودوليا أن يُحاصر كل لُبنان على أمل ان تقوم ثورة ضد الحزب ويتألب ضده المجتمع اللُبناني وتحصل انتفاضات حتى داخل بيئته. كانت النتيجة أن الحزب استوعب الصدمات، ورتّب شؤون بيئته، وبقي الأكثر قدرة على تأمين المقوّمات الدُنيا للحياة، لا بل راح يحشر الخصوم بطرح حلول ومنها مثلا الاعتماد على النفط والغاز والكهرباء من إيران ومشاريع أخرى من الصين وروسيا وغيرهما.

لكن ماذا بعد؟

فلنفترض أن الحزب وحلفاءه وخصومه الذين قد يصبحون حلفاء اتفقوا على أن الُمرشّح ” الاستفزازي” الوحيد هو قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، (وفق ما رشح في الساعات الماضية). ولنفترض أن الحزب توافق مع الآخرين على رئيس وسطي. هل يُصدّق عاقل، بأن حزب الله سيقبل برئيس ضدّه؟ أكيد لا، أو بالأحرى مستحيل. فأحد أهم شروط الرئيس المُقبل وسط التركيبة الحالية هو ألا يكون معارضا لحزب الله وان ينجح في امتحان الثقة.

اقتنع الخصوم بهذه المُعادلة، وطلبوا التوافق مع الحزب بحيث يكون لهم دور في الاختيار. هذا ممُكن جدا، والحزب سيقبل به طالما لا يضر أبدا في مشروعه الاستراتيجي، حتى ولو أن القرار الضمني كان حتى الأمس القريب ما زال يدور حول شخص زعيم المردة سليمان فرنجية.

وماذا عن العرب؟

يقول الرئيس الراحل فؤاد شهاب في مذكّراته الحاملة عنوان ” حقائق لُبنانية”:” يوم انتخابي رئيسا للجمهورية أعلنتُ من على منبر المجلس النيابي أن عهد الانعزال في لُبنان قد زال، فنتج أن الدول العربية اطمأنت كل الاطمئنان الى سياستنا الجديدة”.

ماذا سيقول الرئيس المُقبل للدول العربية حتى تطمئن؟

يبدو ان الجواب سيبقى رهنا بالتفاهمات السعودية الإيرانية، والاّ فإن كل رئيس للجمهورية يأتي بدعم الحزب سيُتهم بأنه صنيعته كما كان شأن الرئيس ميشال عون. لكن ثمة عقولا سياسية ساذجة في لُبنان تعتقد أن الأمور ستُحلّ قريبا، بحيث يحصل التفاهم الإيراني الأميركي من جهة ويتم ترسيم الحدود من جهة ثانية، وتسيل أنهار اللبن والعسل والغاز والثروات في شرايين المُجتمع، ويأتي الرئيس المُنقذ الذي يعيد بناء الدول والمؤسسات وينعش الاقتصاد ويطعم الجوعى… بينما الحقيقة هي أن لُبنان وسوريا متروكان لمصيرهما الصعب وحتى إشعار آخر، فهما ممنوعان من الحياة وكذلك من الموت، لكن لا بأس أن يستمر الفقر والحصار والانهيار.  

ماذا لو كانت حقيقة الأمور في مكان آخر تماما؟

فاحتمال الحرب قائم وربما أكثر من أي وقت مضى. إيران تشارف على السلاح النووي، والحزب يتربع على مخزون هائل من الصواريخ والقدرات القتالية، فهل يُهدى الطرفان ثورة غازية واتفاقا نووي لتتدفق الأموال عليهما؟.  

ولنفترض أن هذه ” المُعجزة” ممكنة، فهل يقبل الحزب فعلا بالصفقات مع العدو، ام يريد إعادة ضبط الساحة الداخلية استعدادا لاحتمال المواجهة في حال بدأت إسرائيل باستخراج الغاز دون اتفاق مع لُبنان؟

 لعل الجواب واضحٌ تماما في كتاب الشيخ نعيم قاسم الآنف الذكر حيث يقول لمن يُريد ان يفهم:” كان موقفنا ولا يزال وسيبقى تجاه عملية التسوية وتجاه الاتفاقات التي انتجها مسارُ مدريد التفاوضي عبر اتفاق وادي عربة واتفاق أوسلو وملحقاته، ومن قبلهما ” اتفاق كامب ديفيد” وملحقاته، موقف الرفض المُطلق لأصل ومبدأ خيار التسوية مع الكيان الصهيوني، القائم على أساس الاعتراف بشرعية وجوده، والتنازل له عما اغتصبه من أرض فلسطين العربية والإسلامية”.

ماذا يفعل خصوم الحزب في لُبنان؟

يرفعون الصوت عاليا ضد السلاح، ثم يخفضون الصوت كثيرا في عصر التسويات. هم يقولون ما يريدون وهو يفعل ما يشاء.

ماذا يفعل حلفاء الحزب؟

إما يتمرّدون على التسويات وينضوون في صفوف الناقمين على الأوضاع كما فعل زعيم التيار الناصري في صيدا د. أسامة سعد، أو يصمتون لإدراكهم الضمني أن الحزب لا يشذ عن غيره من الأحزاب والتيارات السياسية اللُبنانية منذ عهد الاستقلال، بحيث ينسج التسويات والصفقات دون تمييز بين حليف وخصم، حين تقتضي مصلحته الاستراتيجية ذلك… فكلّ لُبنان هو مُجرد جبهة من جبهاته الواسعة على امتداد المحور من بيروت والقدس الى دمشق، وصنعاء وبغداد وطهران. ثم ان بعض قيادات الحزب يميلُ ضُمنيا الى بعض الخصوم في التسويات أكثر من دعمه لحلفاء يعتبرهم غير قادرين على تشكيل بديل في بيئتهم او طائفتهم. 

بات حزب الله  سيّد اللعبة بلا مُنازع في لُبنان، تنبع قوته من ذاته ومن دعم ايران ، ولكن أيضا من خصومه الذين يتلاقون على وَهْمٍ ويتفرّقون عند كل مصلحة ويطرق معظمهم أبوابه عند كل استحقاق، وسيجدون في كل مرّة تبريراً مُناسباً لذلك بذريعة الحرص على الوطن.   

في ختام كتابه الحامل عنوان: من أجل لُبنان” يقول قائد الحركة الوطنية الشهيد كمال جنبلاط:” في نهاية النهايات، تأتي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي أي) وإسرائيل وبعض الدول العربية ليقولوا لنا:” أما الآن، فأنتم اللبنانيون، اصبحتم خارج اللعبة، تستطيعون ان تتأملوا دائما بتحسّن مؤسساتكم الديمقراطية، والمطالبة بإلغاء بعض الامتيازات وإلغاء بعض الطبقات الاجتماعية… ولكن كل هذا يستطيع أن ينتظر”.

كل شيء يستطيع أن ينتظر في لُبنان… فالأهم بالنسبة للقابضين على السياسة في لُبنان حاليا هو الى أين ستصل المفاوضات الإيرانية الأميركية؟ وهل يحصل توافق إيراني سعودي أم لا؟ ولا بأس في هذا الوقت الضائع من البحث عن رئيس لبلد ضاع وشعب جاع، وهو على الارجح سيزداد ضياعاً وجوعاً اذا بقي الحصار العربي والدولي مضروبا عليه وغابت التسويات. وهو ما يعزز الخطر الأمني الأكبر، وهذا أيضا سيكون قرار الحزب وحده، حتى لو قال انه ” خلف الدولة”. فهل بالاصل بقيت دولة كي يكون خلفها؟. 

lo3bat elomam

Recent Posts

أنا وجسدي والعيد: سيادة من تحت الركام

أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…

21 hours ago

Des salles d’asile à l’école maternelle !

Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…

1 week ago

الإصلاح والسلاح ومصير لُبنان

سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…

1 week ago

Du natron au sapo, pour arriver au savon !

Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…

2 weeks ago

تراجيديا السّاحل : عندما تُقتلُ مرّتين

مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…

3 weeks ago

الحدث السوري والغرائز المتوحشّة منذ الثمانينيات حتّى اليوم

سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…

4 weeks ago