أجسادُنا لم تُخلق لتجلس طويلا، احذروا الأمراض الخطيرة
مئات حالات السرطان سببها قلّة النشاط الجسدي

روزيت الفار-عمّان
“الجلوس” هو التّدخين الجديد. Sitting is the New Smoking
هي مقولة جاء بها Dr. James Levine استاذ الطّب في مايو كلينيك؛ وهو ليس الوحيد الّذي يؤكّد ذلك حيث هناك عدد كبير من الدّراسات والبحوث العلميّة تدعم صحّة ذلك يوماً بعد يوم.
لم نفكّر يوماً بأن يكون الكرسيّ أحد الأسباب الّتي تهدّد حياتنا وصحّتنا؛ فقد اعتقدنا أنّ الجلسة المريحة في العمل تساهم في الحثّ على الجلوس لمدّة أطول والإنجاز الأكثر.
في كتابها “حرّك حمضك النّووي لتستعيد صحّتك بالحركة الطّبيعيّة” “Move Your DNA: Restore Your Health Through Natural Movement“، أكّدت كيتي بومان بأنّ سلوكك وأسلوب حياتك والبيئة الّتي تعيش بها هي الّتي تقرّر لحمضك النّووي الDNA -الّذي تتكوّن منه الجينات- كيف يعمل. حيث بمقدورها إحداث تغييرات تؤثّر على طريقة عمل هذه الجينات. فمثلاً إذا كان أسلوب حياتك الجلوس والرّاحة فحمضك النّووي (جيناتك) سوف يقرر لجسمك تشكيل خلايا دهنيّة وتخزينها، وعلى العكس إذا كنت ممّن يفضّلون ويمارسون الحركة فإنّه سيقرّر لجسمك بناءَ كتلٍ عضليّة ويخلق بيئة لنموّها تُعّزز بقائها. ويركّز الكتاب على ضرورة أن تكون الحركة حركة طبيعيّة.
ومن خلال عمليّة Mechanotransduction تقوم خلايا الجسم بتحويل النّشاط الحركي إلى نشاط كيميائي؛ ممّا يساهم في تحديد شكل الجسم النّهائي. فمثلاً عمليّة المشي وهي حركة طبيعيّة من شأنها خلق القوّة الّلازمة لحمل الجسم والوقوف وكذلك تمنحه ظهوراً حيويّا وقِواماً متناسقاً.
لقد خُلِقنا وصُمِّمت أجسامنا لكي نبنيها وننمّيها بالحركة. “لم نُخلَق لنجلس” هذا ما قاله مدير ناسا سابقاً الدّكتور جون فيرنيكوس في كتابه “الجلوس يقتل والحركة تشفي” وبأنّ الجسم هو آلة دائمة الحركة لا تتوقّف.
وفي عصر التّكنولوجيا الحديث، أصبحنا نعيش في عالم السّكون الجسدي نقضي معظم ساعات يومنا جالسين خلف الشّاشات إمّا للعمل أو للقراءة والتّصفّح لمواقع التّواصل الاجتماعي أو لممارسة الألعاب الإلكترونيّة أو حضور حصص ودروس والمشاركة بندوات وحوارات عبر الإنترنت أو مشاهدة الأفلام الخ… فإنّنا بذلك نعرّض صحّتنا للعديد من الأمراض.
كيف يكون ذلك؟
ترتبط جميع الأعمال الّتي تتطلّب في تنفيذها الجلوس الطّويل، بمعظم الأمراض الجسديّة والعقليّة والنّفسيّة للشّخص وتهدّد نوعيّة حياته وصحّته، وليس بمقدور التّمارين الرّياضيّة -بالرّغم من فوائدها- أن تزيل ضرر جلوسه المتواصل لساعات. فلا يمكنك كبح مفعول الجلوس لمدّة 10 ساعات بساعة تمرين. والسّبب بأنّ ساعات الجلوس الطّويلة تقوم بتغيير عمليّة الحرق (الأيض) حيث أن تلك العمليّة تنخفض بنسبة 90% بعد جلوسك لنصف ساعة فقط، وتبطئ وظيفة الأنزيمات المسؤولة عن التّخلّص من الدّهون السيّئة في نقلها من الشّرايين إلى العضلات كي يتم حرقها. بالإضافة إلى أنّه بالجلوس الطّويل يتم إبطال وظيفة عضلات الجزء السّفلي من الجسم؛ فبعد ساعتين منه؛ ينخفض مستوى الكوليسترول النّافع بنسبة 20%. لكنّ ما يُفرح هو أنّه بإمكانك استعادة وظيفة الجسم الطّبيعيّة بالوقوف والحركة لمدّة خمس دقائق فقط. لكن للأسف بالرّغم من سهولة هذا الأمر غير أنّ معظمنا لا يقوم به.
كذلك فإنّ الجلوس الماراثوني يغلق دائرة النّشاط الكهربائي بالأرجل مما يقلّل نسبة استجابة الجسم لهرمون الأنسولين الّذي يساهم بحرق السّعرات الحراريّة، ويخفّف عمليّة تكسير الدّهون الموجودة بالدّم ويخفض نسبة الHDL (الكوليسترول الجيّد).
جميع تلك التّداعيات تفسّر بوضوح أسباب معاناتنا من كثير من الأمراض كالسّمنة وزيادة الوزن. نلاحظ مثلاً أنّ الأشخاص الّذين يتطلّب عملهم الحركة هم أكثر استعداداً لفقدان الوزن ممّن يعملون وهم جالسين. فمحصّلو تذاكر الحافلات والقطارات مثلاً أنحف من السّائقين.
وللجلوس الطّويل علاقة بآلام الظّهر والرّقبة وعرق النّسا. تقول التّقارير البحثيّة الصّادرة عن قسم “بيئة العمل” في جامعة كورنيل بنيويورك، بأنّ 90% من الضّغط الّذي يصيب أسفل الظّهر والرّقبة ناتج عن الجلوس مقابل الوقوف. ومن هنا بدأ التّحويل في كثير من الشّركات نحو استخدام المكاتب القائمة Standing desks حيث يكون الموظّف واقفاً وتكون الشّاشة على مستوى نظره؛ ما يغنيه عن حني رقبته ودفع رأسه للأمام للوصل لشاشته، ويستطيع بالوقت ذاته تحريك يديه وجسمه بقدر أكبر من الحريّة والسّهولة فهو بالتّالي يوفّر على نفسه الألم وسوء المظهر الجسدي النّاتج عن الجلوس.
حسب موقع خدمات السّرطان ألبرتا/كندا فإنّ 173000 من حالات السّرطان أتت نتيجة قلّة النّشاط الجسدي بما فيها 49000 سرطان ثدي، 43000 قولون، 37000 رئة، 30600 بروستات.
لاحظ العلماء أنّ لدى الأشخاص، الّذين يجلسون طويلاً، علامات بيولوجيّة مثل”C-reactive protein” مرتبطة بارتفاع حدّة الالتهابات بالجسم، وبمستويات أعلى من غيرهم.
أمّا ما يخصّ أمراض الشّرايين والقلب فهي تزيد 34% لدى من يجلسون طويلاً وهم الفئة الأكثر احتمالاً لتطوير حالات هبوط القلب والجلطات والأزمات الصّدريّة.
ارتبطت حالات السّكري(2) بالأعمال الّتي لا تتطلّب الوقوف أو الحركة Sedentary activities وما يتبعها من زيادة بمحيط الخصر نتيجة تراكم الدّهون، الأمر الّذي يؤسّس لأمراض السّكري (عدم إمكانيّة تنظيم السّكّر في الدّم والجسم) ناهيك عن أنّ الجلوس الطّويل قد يُحدث تجلّطاً في السّاق يمكن أن ينتقل إلى الرّئة ويتلفها ويتلف تباعاً أعضاءً أخرى بالجسم تتسبّب بالوفاة.
وارتبطت أنواع كثيرة من الأمراض النّفسيّة والاجتماعيّة أيضاً بالجلوس الطّويل؛ كالاكتئاب والقلق واختلال النّوم وغيرها.
وأخيراً؛ صحيح أنّ “في الحركة بركة” لكن “الّذي يزيد عن حدِّه؛ ينقلب ضدّه” فالتّوازن بين الوقوف والجلوس والحركة مطلوب لضمان أسلوب حياة صحّي سليم.