آخر خبرمقال اليوم

العالم يجوع، أي مصير للقمح بعد حظر الهند؟

هادي جان بو شعيا 

“لا بد من إنهاء حرب الخبز العالمية” عبارة قالها وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو ليلخّص بها تدهورًا غذائيًا عالميًا، ربما لم نعِش بعد أسوأ فصوله مع ارتفاع سعر القمح في الأسواق العالمية لأعلى مستوياته على الإطلاق، حيث بلغ 435 يورو (453 دولارًا أميركيًا) للطن الواحد، فيما يعود الرقم القياسي السابق إلى 13 أيار/مايو الماضي، حيث بلغ سعر الطن الواحد 422 يورو (439.4 دولارًا أميركيًا) .
ومع حظر الهند تصديره تشتد الأزمة ، ويشحّ القمح الذي بدأت كارثته في روسيا وأوكرانيا وهما من أكبر  الدول المنتجة والمصدرة لهذه المادة الحيوية. بات مؤكدًا أن على البشرية ربط الأحزمة حقًا!
صحيح أن هناك عبارة شهيرة في الديانة المسيحية تقول: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان” لكنه أيضًا لن يحيا طويلاً بدونه. فما هو مصير قمح الأرض الذي ارتفع سعره بنسبة 60% في الأسواق العالمية هذا العام، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة كل شيء، بدءًا من الخبز وصولاً إلى المعكرونة. فكيف سيتدبّر الإنسان أمر رغيفه وخصوصًا في البلدان العربية؟!
حرب الخبز
قبل أيام قليلة، خرجت الهند لتضرب على صدرها وتقول: “انقطع قمح روسيا وأوكرانيا.. لا ضيْر فأنا من سيطعم الكوكب خبزه”. لكن لا الخبز ولا حتى الملح يثني الهند عن تغيير رأيها، لتصدر قرارًا يحظر التصدير للخارج جرّاء ما زعمت أنه موجة حرّ ضربت محاصيل القمح فيها. وكأنه ما كان ينقص تلك السنبلة هكذا قرار ليرفع من سعرها أكثر، الأمر الذي ولّد جنونًا في الأسعار وبات الطحين في متاجر كثير من دول العالم أثرًا بعد عين!
لم يرقَّ قلب أسعار القمح بعد محاولة الحكومة الهندية أن تلطّف من قرارها عبر استمرار التصدير على استحياء لدول تمّ تصنيفها بأن أمنها الغذائي في خطر، ما حدا بوزراء الزراعة في مجموعة الدول السبع G7  الى شنّ هجوم لاذع على القرار الهندي الذي سيؤدي إلى تفاقم الأزمة ويُشعل حرب خبز تخلّف ملايين الجياع في أصقاع الأرض.
وعلى الرغم من أن الهند تعتبر ثاني أكبر منتج للقمح في العالم، فإنها لم تكن مصدّرًا رئيسيًا له لأن معظم محصولها يباع في الأسواق المحلية في بلد يقارب عدد سكانه مليار و400 مليون نسمة أي ما يشكل 18% من سكان العالم ؛ إلا أنها كانت أمل ملايين البشر وربما المليارات لتعويض صادرات القمح الأوكرانية التي تراجعت بعد الغزو الروسي.
يأتي ذلك كلّه بالتزامن مع تهديدات الجفاف والفيضانات للمحاصيل لدى المنتجين الرئيسيين الآخرين. ذلك أن تجار السلع كانوا يتوقعون بعض الإمدادات من الهند أملاً بتعويض جزء من النقص لديهم، خصوصًا أنها كانت تعتزم تصدير عشرة ملايين طن. غير أن هذه الكمية ستبقى داخل الهند إثر قرار الحظر الأخير، ما سيعمّق الأزمة الغذائية ويرفع تاليًا من معدلات التضخم العالمية عبر رفع أسعار عالميًا لتبلغ مستويات قياسية جديدة يبدأ تأثيرها على المستهلكين الفقراء في بلدان آسيا وأفريقيا التي تعتمد على القمح بشكل رئيسي قبل أن يعمّ هذا المشهد السوداوي بقاع العالم كافة وبنحو تدريجي.
أمام هذا الواقع، يؤكد خبراء ومحللون اقتصاديون أن ارتفاع الأسعار الحالي ما زال غير مرتبط بقرار الهند حظر تصدير القمح، حيث ستتلقى اسواق القمح الضربة الأولى في خلال أسبوع، ما سيولًد فوضى واضطرابًا في تداولات سوق القمح الذي يجد نفسه داخل حلبة تخبّط في الأساس على وقع الحرب الأوكرانية-الروسية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الهند تقبع في المرتبة الثامنة بعد أوكرانيا مباشرة في قائمة أكبر الدول المصدرة للقمح في العالم، ما سيوجّه ضربة لمن كان يراهن على الهند في امتصاص تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا على القمح، والذي سيقود بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع وفق القاعدة الاقتصادية البسيطة للعرض والطلب.
ورغم أن موجبات قرار نيودلهي تتعلق بموجات الجفاف والحرّ غير المعهودة والطبيعية على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، وهو ما جعل الحكومة الهندية تفكر باعتماد إجراءات حمائية للأمن الغذائي لبلد يوازي حجم قارة بأكملها؛ إلا أن أصواتًا أخرى بدأت تظهر تباعًا لتؤكد أن قرار الهند ينطوي أيضًا على محاولة ليّ ذراع بعض قوانين التجارة العالمية التي كانت تنظّم تصديرها للحبوب والقمح على وجه الخصوص. ناهيك عن رغبة نيودلهي بتحقيق أكبر أرباح ممكنة من أزمة القمح التي تسببت بها الحرب الروسية على أوكرانيا، ما سيجبر دول الغرب على التفاوض مع نيودلهي لإعادة فتح بوابة تصدير القمح بشروطها في محاولات لخفض معدلات التضخم المتصاعد في دول الغرب.
بيادر القيصر
  روسيا المصدر الأول للقمح في العالم، حصدت في العام 2021 وحدها 121,3 مليون طن من الحبوب منها 76 مليون طن من القمح، وعادة ما يتم تصدير نصف هذا العدد إلى الخارج، لكن هذا العام، وفي ظل الحرب وما خلّفته من أزمة حادة، أوقفت موسكو صادرات الحبوب حتى إشعار آخر، بالإضافة لصادرات السكر وزيت الطعام وتحديدًا زيت عبّاد الشمس (أو ما يعرف بزيت دوّار الشمس).
السبب في ذلك خصوصا هو  أن المناطق التي تنتج الحبوب في روسيا تقع بمعظمها في مناطق متاخمة لساحات الحرب والعمليات العسكرية، ما يعلّق زراعة الحبوب وعمليات جنيها وحصادها. كما تعرقلت سلاسل الإمداد والتوريد في ظل الحرب، خصوصًا الشاحنات التي كانت تمر من موانئ البحر الأسود، كذلك الأمر في أوكرانيا الذي لا يبدو أفضل، حيث أتت الحرب على الكثير من المحاصيل كما تتهم كييف روسيا بمنعها من تصدير قمحها أو توريده للخارج نتيجة حصارها المطبق.
قوت العرب
 يبدو أن مصر ستبقى أكثر دول العالم تأثرًا بأزمة القمح في ظل حقائق تفيد بأنها أكبر مستورد لهذه السلعة، ورغم إعلان وزارة التموين المصرية أن قرار حظر صادرات القمح الذي اتخذته نيودلهي لا يسري على القاهرة، فضلاً عن بدء مصر محادثات مع الهند وأستراليا وكازاخستان وفرنسا لإبرام اتفاقات مباشرة لشراء القمح، إلا أن المخاوف من أزمة خبز ما زالت تتصاعد في مصر التي أعلنت أن الاحتياطي الاستراتيجي للبلاد من القمح يكفي أربعة أشهر فقط. كما أن تداعيات هذه الازمة العالمية لن تطال مصر وحدها من بين العرب. ذلك أن الأرقام كلّها تشير إلى أن جلّ الدول العربية تعتمد في خبزها اليومي على القمح الروسي والأوكراني بنسبة تصل في بعض الحالات إلى 70% ما يعني الدخول في أزمة حقيقية لأي دولة كانت ترى في القمح الهندي خلاصًا لها.
الكارثة العربية في الأمر هو أن  الدول العربية وحدها تستورد 25% من صادرات القمح العالمية، الأمر الذي يضع الساسة والقادة العرب أمام تحدٍّ حقيقي لتأمين الخبز لمواطنيهم في ظل الارتباكات الحاصلة حاليًا في سوق القمح العالمية، وهو ما ينسحب بطبيعة الحال على معظم دول العالم.

في الختام، هناك سيناريو مرعب بدأت ملامحه تتكشّف شيئًا فشيئًا، خصوصًا في ظل الإجراءات الحمائية التي تتخذها الدول لحماية أمنها الغذائي، ما سيسرّع لا محالة من انهيار الاقتصاد العالمي، سيّما في ظل ما يمكن تسميته بالانكفاء وإعادة التموضع لكل دولة على حدة ما يشبه إلى حد كبير تصرفات المواطنين العاديين الذين يهرعون لعمليات الشراء المذعور وتجريد أرفف المتاجر في لحظات ذروة الخوف من حرب أو وباء. كما أن سياسات الدول الحمائية المنتهجة حاليًا على غرار الهند وقبلها روسيا وأوكرانيا لن ترفع أسعار الحبوب واللحوم والزيوت والأسمدة إلى أرقام قياسية وحسب، بل ستجعل إمكانية الحصول على هذه السلع في فترات مقبلة أمرًا غاية في الصعوبة!

لو انتبه العرب الى أن يتكاملوا على الاقل اقتصاديا، لكان السودان وحده بما فيه من خيرات وأراض زراعية وأنهر، يكفي لسد كل حاجاتهم من القمح واللحوم وغيرها. لكن من ينتبه؟

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button