آخر خبرافتتاحية

        القوات والحزب…التفاهُم الممنوع ولكن المُمكن  

           سامي كليب:

لو أن السياسةَ تُدار بالمبادئ لا بالمصالح، لما كان لهذا المقالةِ أصلاً مُبرّر. ولو أن الحروب الطاحنة في التاريخ الحديث هي التي ترسمُ ملامحَ المُستقبل، لما كانت القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي أعداء الأمس القريب في حرب الجبل، قد اجتمعا تحت لواء لائحة ” الشراكة والإرادة” في الانتخابات، ولما كان الجنرال ميشال عون تصالح مع سورية وعقد تحالفاً استراتيجيا مع حزب الله بعد عودته الى لُبنان من منفاه الفرنسي…

جوهرُ السياسةِ بشكل عام هي المصالح، والاّ كيف رأينا دمشق تفتح أبوابَها للسفارة الإماراتية مُباشرة بعد تطبيع أبو ظبي علاقاتها مع إسرائيل، ثم اكتشفنا أن حجم التبادل التجاري بين الامارات وإيران زاد بنسبة 20 بالمئة بعد التطبيع، وتحاورت طهران والرياض على أرض العراق في 5 جولات، رغم أن جمهور إيران وسوريا  وحزب الله شنّ حملةَ تخوين في كل هذه الاتجاهات، قبل أن يكتشف على الأرجح أن المصالح هي الأساس.

لنترك جانباً اذاً قضية المبادئ السياسية، ونر ما الذي قد يؤدي الى صفقة بين حزب الله والقوات اللبنانية، وما الذي يمنعها؟

في التشابه أولاً

  • لم يأتِ السيد حسن نصرالله ولا الدكتور سمير جعجع من عائلات اقطاعية وإنما هما نتاجُ بيئتين متواضعتين، ونتاجُ جهود شخصية، ونتاج اغتيال قائدٍ سَبَقَهما، ونتاج دولٍ دعمتهما، فوصل كلٌ منهما الى مرتبته الحالية، وأثبت قدرتَه على القيادة. وهما بالتالي ينظران بشيء من النفور الى كل الاقطاع السياسي، حتى لو تخلّل ذلك بعض التحالفات المصلحية.
  • عمِل حزب الله والقوات اللبنانية بشكلٍ دقيق ومدروس على إقامة مؤسسات داخل حزبيهما وخارجهما، وفي الجامعات، وبين الشباب، وأسسا مدارس حزبية، جعلت ماكينتيهما الحزبيتين في طليعة الماكينات المُنظّمة والقائمة على استراتيجيات مدروسة وأهداف واضحة. وهي أهدافٌ بطبيعة الحال متناقضة بين الحزبين…لكن ليس في كل شيء.
  • تلاقى الحزب والقوات على ملفات ومشاريع قوانين في الوزارات والمجلس النيابي، حتى ولو أن بعضها كان مناقضا لحلفاء كلٍ منهما، وبين ذلك مثلا: محاربة الفساد، السرية المصرفية، آلية التعيينات في الحكومة …الخ. وغالبا ما كان الطرفان يأتيان الى المجلس النيابي أو مجلس الوزراء، وقد تمعنّا ودقّقا ومحّصا كلَّ تفصيل في ملفاتهما، خلافاً للكثير من نظرائهما اللذين كانوا يفتحون الملف عند انعقاد الجلسة أو قبلها بدقائق.
  • حصلت محاولاتٌ للحوار لكنها بقيت في حدود ضيقة جدا، ولو قرّر النائب والوزير السابق ملحم رياشي أن يكتب مذكّراته يوما ما، فقد يكشف بعض الأسرار.
  • لا بل أن الصراع مع إسرائيل والموقف من الجولان المُحتلّ تغيّرا في أدبيات القوات اللبنانية التي طوت نهائيا صفحة التعاون السابق مع الإسرائيليين، فعادت اسرائيل عدواً والجولان مُحتلاً.
  • الطرفان حذران من رأس مؤسس الجيش، ولكلّ منهما أسبابه.
  • الطرفان حذران من مسألة العروبة، ولكلّ منهما أسبابه حتى ولو ان القوات تُجاهر بضرورة العودة الى ” الحضن العربي”، فالفرق بين العلاقات مع دول عربية ومسألة العروبة كبير في نظرها. 

في التناقض ثانيا:

  • الخلافُ الجوهري حاليا هو حول كيفية التعاطي مع السلاح، فالحزب يرى أن سلاحه هو السد المنيع وأنه به حمى أهله وحرّر الأرض، بينما القوات ترى أن هذا السلاح صار ضد الداخل أكثر من الخارج، وان الحزب يستند اليه والى منطق فائض القوة لفرض خياراته السياسة وإقامة دولة داخل الدولة. هذا لا يمنع أن كل الحكومات السابقة التي شاركت بها القوات قبلت بثلاثة ” الجيش والشعب والمقاومة”.
  • الخلاف الثاني هو حول مسألة التحالفات الإقليمية والدولية. فالحزب يدور في الفلك الإيراني ويجاهر بأنه أخذ سلاحه ومالَه من طهران، بينما القوات اللبنانية التي تتحدث عن ” احتلال أيراني”، نجحت في أن تفرض نفسها رأس حربة المملكة العربية السعودية ضد الحلف الإيراني في لُبنان، وحجبت خلفها كل القوى الأخرى التي كانت تقبض من السعودية ثم تخذلها. وكذلك فان حزب الله يجاهر بضرورة التوجّه شرقا صوب روسيا والصين وإيران وغيرها، بينما القوات ما زالت أكثر قربا والتصاقا بالغرب الأطلسي وفي مقدمه الولايات المتحدة الأميركية
  • الخلاف الثالث حول انخراط حزب الله المباشر أو غير المباشر في حروب إقليمية من سوريا الى العراق فاليمن وفلسطين، وهو ما دفع القوات لرفعِ خطاب شجبه ورفضه رغم انها هي الأخرى انخرطت في خطابها السياسي ضد النظام السوري وهجمات الحوثيين والحشد الشعبي.
  • الخلاف الرابع هو حول مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين فُقدوا في الحرب الأهلية اللُبنانية وتطالب طهران وحزب الله القوات اللبنانية بالكشف عن مصيرهم.
  • الخلاف الخامس هو حول التحالفات الداخلية، ذلك ان حزب الله حليف لخصوم القوات ومنافسيها على الساحة المسيحية وفي سياق رئاسة الجمهورية، خصوصا التيار الوطني الحرب وتيار المردة.
  • الخلاف السادس هو ايديولوجي اجتماعي ديني، وهذا لا حلّ له لا الآن ولا بعد دهر، لكنّه لا يؤثر على المصالح في لُبنان. 

لنعد الآن الى مسالة المصالح لا المبادئ.

بعد فترة سيدخل لُبنان في عدد من الملفات الحاسمة، وهي رئاسة مجلس النواب، وتشكيل حكومة جديدة (او الإبقاء على الحالية)، ثم انتخابات رئاسية، ناهيك عن ملفي صندوق النقد الدولي وترسيم الحدود البحرية.

لا شك أن سمير جعجع كما أي قائد ماروني في لُبنان يطمح لرئاسة الجمهورية. يُقال ان هذا الأمر مُستبعدٌ تماما في فكر الحزب ولكن أيضا في العمق الإسلامي السني ( خصوصا بعد العداوة مع تيار المُستقبل ولأسباب تتعلق بالحرب الأهلية ) والشيعي، لكن هل هو أكثر استبعادا مما كان عليه وضع الجنرال ميشال عون وهو في فرنسا يرفع لواء الخصومة ضد سورية وحزب الله ويساهم في تمرير قانون محاسبة سورية في مجلس النواب الأميركي بينما كانت سوريا ما زالت قوية جدا على الأرض اللبنانية؟

لا شك كذلك أن القوات التي ثبتت اقدامها في الانتخابات التشريعية وتقاسمت الجزء الأكبر من العمق الشعبي المسيحي مع التيار الوطني الحر، تُريد حصتها في كل المؤسسات مستقبلاً.

لا شك أخيرا وهذا هو الأهم، ان لُبنان سيكون بحاجة الى مؤتمر وطني تأسيسي يعيد النظر بطبيعة النظام ومؤسساته وقانونه الانتخابي وغيرها من الملفات، والقوات اللبنانية ستكون طرفاً أساسيا في كل ذلك، تماما كالتيار الوطني، وسوف تستند في ذلك الى عدد من تحالفاتها الداخلية والخارجية في مقابل حزب الله وحلفائه.

بناء على ذلك، فإن أمام حزب الله والقوات اللبنانية 4 خيارات:

  • الحرب الأهلية وهذا ممُكن لكنه مُستبعد لأسباب كثيرة (بينها عدم الرغبة وعدم توازن القوى بين الطرفين) رغم خطر الجنوح من وقت لآخر الى بعض الاشتباكات الأمنية.
  • الاستمرار في حالة التنافر وانعدام الاستقرار، وهذا قد يؤدي الى تعطيل المؤسسات على الطريقة العراقية الحالية، والبلد سيزداد فقراً وقهراً. وهذا ممُكن خصوصا إذا ما بدأت القوات معركتها برفض عودة نبيه بري رئيسا لمجلس النواب. أو رفضها المُشاركة في حكومة الى جانب حزب الله وغير ذلك. واذا ما شكّلت جبهة أوسع مع رافضي سلاح حزب الله والدور الإيراني.
  • التقسيم المُباشر أو المقنّع بذريعة رفض العيش في دولة يحكمها حزب الله.
  • التفاهم وتقديم المصالح على المبادئ، وهذا يتطلب قبل كلّ شيء غطاء إقليميا دوليا، بين السعودية وإيران من جهة، ثم بين فرنسا وأميركا وإيران من جهة ثانية. وهذا مُمكن، خصوصا ان العلاقة بين باريس والحزب بشكل عام جيدة.

بانتظار أحد هذه الخيارات التي قد تأخذها المصالح لا المبادئ الى التسويات لا الحروب، سيشهد لُبنان في الفترة المُقبلة شدّ حبال كبير، وتصريحات وخطابات نارية وعدائية بين الحزب والقوات، وقد يشهد بعض التوترات الأمنية، لكن كلّ ذلك سيُحسم سلباً أو ايجاباً على ضوء التسويات الإقليمية والدولية. وسيكون للسعودية وإيران كلمة الفصل. ففي لُبنان تبقى المبادئ مترنّحة في الصفقات الداخلية، مقابل ثبات مصالح الأطراف من جهة ومصالح حلفائهم من جهة ثانية.  فمن يؤكد مثلا أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط سيبقى مُتحالفاً مع القوات، لو مالت المصالح باتجاه آخر وذهبت السعودية نحو الصفقة لا الحرب.

ولنختصر، يمكن التأكيد على أنه في لُبنان لا شيء مُستحيل ولا شيء مُستبعد في بلدٍ تبقى قراراتُه بيادق على لعبة شطرنج إقليمه دولية. فاحتمال الاشتباك بين الحزب والقوات يبقى قائما، تماما كاحتمال التفاهم أو حتى الصفقة.

    

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button