ثقافة ومنوعات

دروب الحرير، كتاب بديع صالَحَني مع وطني

دروب الحرير، كتاب بديع صالَحَني مع وطني

رنا اسكندر-ألمانيا

انتابني شيءٌ من الحذر عندما عرفت أنَّ الجزء الثاني من كتاب “الرحّالة” لمؤلفه د.سامي كليب طَوْرُ التحضير، فأنا لا أحبّذ فكرة الجزء الثاني من أيّ عملٍ فنّي أو معرفيّ، لقناعتي بأنَّ لكلّ حكاية نهايةً واحدة. ربّما هو الخوف أيضًا من خفوتِ نجم الجزء الأول، أو هي التجارب السابقة لكتبٍ نجحت أجزاؤها الأولى، وفشلت الثانيّة. 

الواقع أنّ كتاب ” الرحّالة”، صالحني مع طني الذي تغرّبت عنه منذ مقتبل العمر لظروف كثيرة، وهو  كان كذلك الكتاب الأوّل باللغة العربية الذي استقرّ على رفوفِ مكتبي بعدما حجز له مكانًا في وجداني وقلبي. قرأته مّرتين ، منطلقةً من مقولة الكاتب الألماني جان بول القائلة إنّ الكتاب الذي لا نقرأه مّرتين، ليس جديراً بالقراءة أساسًا. وسرعان ما بعثرتُ مع الكتاب الثاني ” دروب الحرير” كلّ حذري، لانّي وجدتُ فيه أمورًا تُكمل الكتاب الأول، لكنها تغوص عميقًا في الروح البشرية، وحكمة الحياة، وجمالية المشاهدات وغزارة المعلومات، وهذا ما يؤكد النظرة التي كوّنتها عن الكاتب منذ الكتاب الأول ومفادُها أنّه مِن الكتّاب الذين يحترمون عقلَ القاريء والمشاهد. 

لطالما خطّت ريشة سامي كليب الكلام الجمیل لتنثره كأريج الياسمين على عقولنا، تارةً بالوصف الدقيق لجمال الكون والحياة والطبيعة والناس والعادات والتقاليد، وتارةً أخرى بالمعارف النافعة لعقولنا، فاذا بدفق العاطفة والحنين غزيرًا حَيَال وطننا لُبنان، وإذا بالكلام الانيق والعميق يدفعُنا دون أن ندري، ولكن بشوقٍ كبير، إلى استعادة بعضِنا الذي كاد يتوه في الغُربة، فنتسلّح به أكثر، ليس لؤأد هذه الغُربة التي احتضنتنا وعلّمتنا وفتحت لنا أبواب الحياة الهانئة، بل لمدّ جسور المحبّة بين وطننا وبينها في تمازج وتكاملٍ انسانيّين فريدَين.

وهكذا، فكلّما كنت أطوي صفحة من ” دروب الحرير” كان ثمة شعورٌ دافيء ينتابني وكأنّه يقول لي :” مهما تغرّبنا، لا بُد من العودةِ إلى إرثِ أجدادنا، وإلى روحِِ الارضِ في وطننا الساحر مهما تقلّبت عليه النوائب والمصائب “.  

وصَفَ الكاتبُ بدقّة عادات وتقاليد أهلِ قريته والقرى المجاورة في جبلِ لُبنان، فكانت مرآةً تعكسُ جمالية كلّ قرانا، فإذا بنا ندخل إلى البيوت الحجرية العتيقة نشمّ فيها رائحة رغيف الصاج الطازج، ونطيرُ حتّى النجوم، ونهبطُ بين الأشجار الغنّ ، ثم نرحلُ باتجاه سحر العالم من سويسرا، الى إلمانيا ( وطني الثاني الذي عشتُ وترعرتُ ونجحتُ فيه) فتتارستان التي ما كُنّا نعرفُ عنها الكثير وصولا إلى الصين وسوتشي وحقول التوليب في هولندا، ثم عودة إلى بعض المناطق العربيّة التي نكتشفُ سحرها في الكتاب، من بوسعادة الجزائرية، إلى نهر بورقراق في المغرب، مرورًا بصافيتا السوريّة والفحيص الاردنيّة … الخ .  

حبّ مشاركة المعرفة، وبناء جسور المحبة، والتعمّق بالمشاعر الانسانية، والاسلوب الرشيق والحيوي في النص الأدبي، والتنقّل بين الوطن والغربة، وبين التاريخ والحاضر، والوصف الدقيق للطبيعة الخلاّبة، والذهاب والاياب بين الروح وجمال الكون، كلّها أبوابٌ يُشرّعها سامي كليب في كتابه الرائع ” دروب الحرير” الذي ما أن أغلقَ صفحةً منه حتّى أتمنى ألاّ تنتهي، ذلك ان الكتاب رحلةٌ ساحرٌة بين الخارج والداخل، وبين سحر الكون وعمق الروح. 

وكما في كل مؤلفات ومقابلات الكاتب، يحضرُ الوالدان بحسرةِ الفقد، فيضفيان على النص البديع جُرحَ المشاعر الانسانية في لحظة الغياب، وحكمةَ الحياة الزائلة مهما أغرتنا بهرجاتُها المعنويّة والماديّة، فتقاربُ نصوص الكتاب، مصافَ النصوص الصوفيّة العميقة، ثم يُعيدُنا الكاتب بابتسامة النصِ عند حوادث أو مشاعر طريفة، فيكاد يمتلك أحاسيسَنا جميعا من فرحٍ وحزنِ، وهدوء وغضب. 

 ” دروب الحرير” كتابٌ بديع، يفرش حريرَ الانسانيّة تحت أقدامِنا، فنمشي مطمئنين البال صوب آفاق أكثر رحابة وسعادة، ونشعر بضرورة تحمّل مسؤولية مواصلة ما كتبه، ببناء جسور المحبّة والتسامح بين البشر مهما اختلفت دياناتُهم وحضاراتُهم وأعراقُهم ومعتقداتُهم. لعلّ حياة الكاتب الغنيّة عبر الترحال، ومن خلال العيش بين الغرب الأوروبي والوطن العربي، جعلته قادرًا ، دون الكثير غيره من بني البشر، على تقديم هذه اللوحة الادبيّة الخلاّبة بجمال الوصف وجميل المعنى والمبنى. 

 للوهلة الأولى امتصّت المقدّمة قدرتي على استكمال القراءة و كأنّني تردّدت جرّاء فوضى الأحاسيس التي انتابتني، إلا أنّ  الاسلوب السلس الذي يجمع بين البساطة وعدم القدرة على تقليدها،   تسلّل خلسةً الى مسام القلب وخلايا العقل، فإذا بي انغمس في القراءة ساعة طويلة من الليل حتّى بزوغ الفجر.  

أنا التي ظنّنت نفسي أعرفُ وطني، وجدتُني أتعرّف عليه من جديد، بأسلوب الحرير، وأيقنت أن الأوطان تُبنى خصُوصًا بالكتّاب والمفكّرين والمثقفين، ذوي الجذور العميقة في وطنهم، والانتماء العروبي الصادق لوطنهم العربي الأكبر، والانتماء الانساني الأعمق لهذا الكون بكلّ ألوانه وأطيافه وأعراقه.   

لستُ مُحترفة الكتابة النقديّة لكتبٍ أدبيّة، فعملي القضائي والقانوني في ألمانيا، يمتصّ معظم وقتي واهتمامي، لكنّي كتبتُ هذه السطور القليلة، لاشكر كاتبًا صالحني مع وطني أولاً، ووسع آفاق معارفي وفضولي ، ودفعني رُبّما لكي أكتبَ يومًا تجربتي بين الغربة والوطن، ذلك أن “دروب الحرير” أسقطَ من أمامي حائط برلين بين روحي ووطني، وجعلني أندم أنّي لم اعرفه أكثر. 

الكاتب:رنا اسكندر

قاضية في المحاكم الالمانية

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button