آخر خبرافتتاحية

أن تكون سيادياً في لُبنان اليوم

سامي كليب:

ليس مؤكداً أن الفقيرَ الصاحي هذا الصباح مهموماً بالبحث عن لقمة عيشٍ لأولاده أو عن علبة دواء، بعد أن ارتضى شربَ مياه ملوّثة والاكتفاء بشمعة بدلا من الكهرباء، وبعد أن أرسل ابنه الكبير للعمل في ورشة حدادة سيارات، ليس مؤكداً أنه يسمع كثيرا الخطابات السياسية السيادية أو الثورية أو المقاومة. فهو يتحدث عن مرض وجوع، وهي تُحلّل مآلات الصراعات الإقليمية، والمفاوضات الدولية، ومفاهيم السيادة، والاستقلال.

المؤكد الوحيد هو أن كثيرا من المُرشّحين الثابتين أو الجدد، المستحقّين أو الطفيليين، الحقيقيين أو المنافقين، يبدون منفصلين تماما عن مجتمعهم وأهلهم وواقعهم، فيرفعون ” ترندات” انتخابية، تُعجب الخارج، وتشحن النفوس في الداخل، وتعزّز الغرائز في الحالتين. وكأننا في معركة القضاء على الآخر، لا في انتخابات من المُفترض أن تكون عادية، في وطن حقيقي.

ماذا يعني أن تكون سيادياً في لبنان؟

  • أن تُعيد قراءة التاريخ منذ الاستقلال حتى اليوم، فتجد أن الجميع بلا استثناء باعوا السيادة وداسوا عليها بنعالهم حين كانت مصالحهم تتطلّب ذلك. ومن حاول الخروج عن القاعدة أو الندم قُتل.
  • أن تكون عادلا في مبدأ السيادة. فلا يجوز مثلا أن تُعلنَ محاربةَ تدخّلِ دولة خارجية وأنت تستند الى دولة أخرى وتقبض منها. وهذا ينسحب على الجميع بلا استثناء.
  • أن تعرف معنى الكرامةِ الشخصية، فلا تُجاهر بالمبادئ التي حفظتَها عن ظهر قلب دون أدراك عمقِ مضمونها، ثم ترتمي كغنمة على باب هذا الحزب أو ذاك الزعيم أو ذلك القائد المُفدّى، وتهين كرامتَك الشخصية باسم الحفاظ على كرامته، وعائلته، وأبنائه، واحفاده.
  • أن تسمح للقضاء بأن يكشف حساباتك المصرفية ومصادرَ تمويلك، فيتأكد ناخبُك أنك جنيتَ من عرقِ جبينك، وليس من عمالتِك لهذه الدولة أو تلك بغية محاربة هذه الدولة أو تلك.
  • أن تعتبرَ أن كل ذرة تُراب من هذا الوطن، من شماله الى جنوبه، ومن بحره الى جبله، ومن صحرائه الى بقاعه، وطنَك، فلا تكون سياديا في بُقعة جغرافية مذهبية، وتتمنى سحق البقاع الأخرى وكأنها خارج الوطن.
  • أن تعرفَ من هو عدوك الحقيقي خارج الحدود لا أعداءك المُخترعين، الذين تُبرّر عبرهم الصمتَ عن اختراقات وطنك.
  • ليس عيبا أن تعتمد على دعم خارجي لصون وطنِك، لكن العيب، هو أن تسمح لهذا الدعم في أن يُشرّع وطنَك لكل غازٍ وطامع وطامح.
  • أن تكون سياديا اليوم، يعني الاّ تحوّل وطنك الصغير والجميل والجريح الى بيدق على رقعة شطرنج اقليمية أو دولية.

كثيرون رفعوا شعار السيادة عبر تاريخ هذا الوطن، لكن في الشعار فقط، ذلك أن  بعضهم ارتمى في أحضان فرنسا، وبعضهم في أحضان العثمانيين، وبعضهم في أحضان مصر جمال عبد الناصر، وبعضهم في عراق صدام حسين، وكثيرهم (ربما جميعهم على الأرجح) في أحضان سوريا حافظ الأسد ( لو كُشفت الملفات ستكون فضيحة على رؤوس الجميع) ، وقليلُهم في أحضان ليبيا معمّر القذافي (الذي كان يدفع المليارات لكنه لا يحصل على تبعيه كافية)، وبعضهم في أحضان السعودية، وبعضهم في أحضان إيران، لا بل أن بعضَهم ارتمى في أحضان إسرائيل بذريعة محاربة الفلسطينيين وسورية، ثم ذهب الى سوريا بحثا عن سيادة أخرى.

وأما الأنكى من السياسيين أصحابِ شعاراتِ السيادة وأفعالِ العبودية، فهم الصحافيون الذين كانوا (وما زالوا) يشنّفون آذان المواطنين الفقراء، بالدفاع عن السيادة، وهم باعوا مؤسساتهم في أسواق النخاسة، وطأطأوا الرؤوس أمام رؤوس المال أو الدعم الدولي والحزبي، فداسوا على المهنة بنعالهم أيضا وشوهوا سمعة بيروت كمنارة للإعلام والفكر.

لا تستطيع أن تكون سياديا، وكلّ ما أنت فيه من نعيم، جاء من فعل عمالة تاريخيه أو مستجدة للخارج تزيّنها بكلمات على غرار ” تعاون، وتنسيق، واتفاق رؤى. الخ).   

أن تكون سيادياً، هو أن تطرح مشروعا وطنيا يُطعم الفقراء ويطببهم ويعلمهم ويُشعِرهم بشيء من الكرامة. وأن تُقدّم وطنَك على كل الخارج، كل الخارج. أما أن تتحدث عن احتلال إيراني وأنت في قلب السفارة الأميركية وتأخذ تمويلا من دول أطلسية وربما تُناصر بشيء من الخجل إسرائيل، أو أن تتحدث عن تدخل السفارات الأطلسية وأنت تُعلن الولاء لطهران وتأخذ مالك منها وتنسى مرارا عُمقَك العربي النابضة قلوبِ شعوبه على قلب كل قضية عربية (خصوصا في المغرب العربي الكبير)، ففي الحالتين، أنت تُحاربَ تدخلاً خارجياً بتدخلٍ خارجي آخر. وغدا قد تقبل بالتدخلين، لو صيغت الصفقات في الخارج، وجاءتنا صيغةٌ مُختصرة بعنوان: سين-سين، ألِف، ألِف (أي سورية والسعودية وأميركا وإيران).

السيادة هي في أن تحمي حدودَ وطنِك وحدودَك الشخصية بشيء من الكرامة، وأن تصنعَ سياستَك داخلَ هذه الحدود، مع كل أبناء وطنِك، دون طائفية ولا مذهبية ولا تعالي على الاخر.  وأن تقيمَ علاقاتٍ واضحة وسيادية مع الجميع من شرق وغرب لمصلحة بلدك ومصالحهم، لا أن تكون تابعا لشرقٍ أو لغربٍ ضد وطنك.  

مَن مِنكم لم يكن ولاؤه للخارج فليقدّم الدليل، كي يصدقُه الفقير الصاحي هذا الصباح باحثا عن لقمة عيش لطفلٍ جائع، أو عن دولة ووطن.  

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button