
التقرير الاستراتيجي الاسبوعي
سامي كليب:
في 19 آذار/ مارس ، تحلّ عادة كما في كل عام، ذكرى اتفاقيات ” ايفيان” بين فرنسا والجزائر والتي وضعت حداً لحرب الاستعمار على إحدى أهم الثورات المجيدة في القرن الماضي. لكن للذكرى هذا العام مستوى آخر من التحدّي الجزائري، حيث أن ” النيف” ( وهو كلمة جزائرية مشهورة تعني الكرامة والأنفة)، قرّر أن يستمر في تطويق المصالح الفرنسية الاقتصادية في الداخل الجزائري والأمنية في الساحل الأفريقي والسياسية على مستوى المنطقة، حتى تُلبّي باريس مطالب الجزائر.
أولا ،اقتصاديا الأمثلة كثيرة وهذه بعضها:
- : المشروع الضخم في ميناء الحمدانية-شيرشل في ولاية تيبازة أعطي للصينيين وكان الفرنسيون يريدونه. يقول مسؤولو المنطقة إن هذا المشروع قد يستحدث 10 آلاف وظيفة بمجرد الانطلاق به، وهو يسمح للجزائر بلعب دور كبير كوسيط تجاري بحري ذلك ان الميناء المذكور الذي يستطيع استيعاب بواخر شحن عملاقة سيخفض تكاليف السلع المستوردة بنحو 30 % ، وسيشجع التصدير لأنه يتحول الى مركّب صناعي ضخم يمتد على 2000 هكتار من الأراضي بمواصفات عالمية .
- مجمّعات فوسفات وحديد من تبسّة الى تندوف أعطيت أيضا للصينيين وبينها أكبر المناجم في العالم.
- مشروع سكك حديد في الشمال باتجاه تمنراست أعطي للكويت، التي يسمع زائرُ الجزائرِ هذه الأيام كلاما مُهما عن مواقفها حيال فلسطين وخصوصا مواقف رئيس برلمانها.
- حرمان فرنسا من تسيير وتحديث المترو في الجزائر، إضافة الى شركات مياه واتصالات كانت تطمع بأخذ عقودها.
- باتت الجزائر تشتري القمح من كندا ودول أوروبية غير فرنسا
- هناك شركات عالمية وبينها هاليبورتن الأميركية تعمل في النفط الجزائري، لكن لا وجود لشركات فرنسية. بينما يجري العمل على تعزيز وجود الشركات الروسية.
- السلاح الجزائري بات معظمه من روسيا وبعض الدول الأخرى مثل ألمانيا. وتقول تقارير إعلامية إن آخر صفقة تم عقدها مع روسيا في الصيف الماضي وصلت الى 7 مليار دولار لصواريخ S300 و S400 وطائرات ميغ وغيرها.
- ما عادت الجزائر تستورد زراعات كثيرة، وهي نشّطت بعض ما عندها فمثلا هي تنتج حاليا 5 ملايين طن من البطاطا، أي ما يعادل ما تنتجه مصر رغم ان عدد سكان الجزائر هو أقل من نصف عدد السكان المصريين.
ثانيا ، أمنيا وسياسيا الأمثلة كثيرة أيضا :
- تتحرك الجزائر على مستوى القارة الافريقية بحيوية لافتة منذ فترة وتحديدا منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبّون الى الرئاسة ليس فقط لتعزيز دورها ومنافسة فرنسا، ولكن أيضا لتوسع دائرة علاقاتها بعد قطع العلاقات مع المغرب ( وهذا أمر مؤسف طبعا بين شقيقين وجارين)، لعل المثال الواضح على ذلك هو ما حصل في جمهورية مالي التي قاتلت فيها فرنسا طويلا، حيث بات الحكم الجديد قريبا جدا من الجزائر. المعروف في هذا السياق أن ” اتفاق السلام والمصالحة الوطنية” في مالي انطلق في الجزائر في أواخر ربيع العام 2015، وأوقف القتال بين تنسيقيات حركات الأزواد والحكومة المالية.
- تستمر الجزائر كذلك في إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية التي تراجعت كثيرا في افريقيا، وتعزز علاقات التعاون ضد الإرهاب، وهنا كان التعاون مع مالي ضروريا ذلك أن ثلاث مناطق هي تمبوكتو وغاو وكيدال كانت في العام 2012 تحت هيمنة حركات إرهابية أو متطرفة أي أن 75 بالمئة من مساحة البلاد كانت خاضعة لهؤلاء.
- كذلك فرضت الحرب الليبية دورا خاصا للجزائر، فهي دفعت الرئيس تبّون الى الاعلان منذ صيف العام الماضي عن استعداد بلاده للتدخل في أي طريقة يحتاجها الامر في ليبيا، وذلك بعد ان كان في العام 2020 قد وجّه إنذارا واضحا ” بعدم اجتياز الخط الأحمر ” وذلك حين تم تطويق العاصمة من قبل الجنرال خليفة حفتر
- لم تتردد صحيفة ” المُجاهد” الرسمية في تحديد افق الطموح المُقبل للجزائر قائلة (في 10 حزيران 2021):” ان الجزائر تريد استعادة قوتها الدبلوماسية خصوصا في منطقة الساحل”. وهو ما يتكثف فعلا منذ فترة مع عدد من الدول الافريقية.
- لا نُغفل كذلك جهدها الجبّار لطرد اسرائيل من الاتحاد الافريقي، وهذا كان خطوة كبيرة في أعقاب الضغوط الأميركية الهائلة لدفع الدول العربية للتطبيع.
- وبما أن التحرك الخارجي يحتاج قلعة داخلية، تجري خطوات كثيرة في الداخل لمنع التأثيرات الخارجية ولعل أبرزها الزيارات الهامة التي قام بها أمين عام جبهة التحرير أبو الفضل بعجي الى مناطق القبائل التي أريد لها ان تكون مسرح الفتنة بين العرب والأمازيغ، وتشير نتائج الانتخابات الأخيرة أن ثمة تغييرا كبيرا طرأ نحو استعادة لحمة وطنية حقيقية (مثلا جبهة التحرير فازت في بجاية). وقد ساهم الكشف عن أسباب الحرائق الأخيرة في معرفة الكثير مما يُحاك. هذا بالإضافة الى تكثيف حملة التطهير من الفساد وكان آخرها العثور على مستودع لسيارات أحد الفاسدين حيث وُجدَ فيه سيارات فاخرة بما يقارب ألف مليار دينار جزائري.
الواقع ان العلاقة مع فرنسا تشهد حاليا مرحلة حساسة جدا، فالرئيس تبّون رفع الصوت عاليا بقوله قبل نحو شهرين ان ” جرائم الاستعمار لن تسقط بالتقادم، وسنواصل بلا هوادة ولا تفريط استكمال جهودنا لاسترجاع الأرشيف واستجلاء مصير المفقودين أثناء حرب التحرير المجيدة، وسنطالب بتعويض ضحايا التجارب النووية وغيرها من القضايا المتعلّقة بهذا الملف من فرنسا”.
ذهبت الرئاسة الجزائرية في أواخر العام الماضي الى حد الكشف عن رقم جديد ومُرعب لعدد ضحايا الاستعمار، وذلك للمرة الأولى حيث قالت إن العدد ” يُقدّر ب 5 مليون و630 ألف شهيد”.
يُقدّم الرئيس تبّون في كل ذلك صورةً تُقارب ما كان عليه حال الرئيس هواري بومدين. وهو يُدرك أن خطابه هذا الذي يلقى تأييد المؤسسة العسكرية ويحظى بشعبية واسعة في علاقة ” الكره والحب ” مع فرنسا، يُربك القيادة الفرنسية، وهو ما اضطر الرئيس ايمانويل ماكرون الى القيام في 8 شباط/فبراير الماضي بأحياء ذكرى ضحايا “مترو شارون ” في باريس الذي قُتلوا أثناء تظاهرهم لأجل السلام في الجزائر في 8 شباط/فبراير من العام 1962.
موقف ماكرون هذا ناقض موقفين سابقين له كانا قد أثارا غضبا كبيرا في الجزائر حيث تم استدعاء السفير الجزائري من فرنسا، وذلك حين اتهم ” النظام العسكري-السياسي” باستغلال الذاكرة لأجل المال، ونفى وجود ” امة جزائرية ” قبل الاستعمار. لم تكتف الجزائر آنذاك باستدعاء سفيرها وانما منعت عبور طائرتين عسكريتين فرنسيين من التحليق في أجوائها كانت متجهتين الى الساحل في سياق عمليات مكافحة الإرهاب وكادت تمنع كل الطيران الفرنسي.
حاليا هدأت الأمور قليلا وفق ما صرّح الرئيس تبّون نفسه قبل أسابيع قليلة في مقابلة متلفزة قائلا ان الأمور تذهب باتجاه منعطفات جديدة، وأوضح أنه لن يقول أكثر من ذلك بسبب الحملة الانتخابية في فرنسا.
الواقع ان الجزائر كانت تُعلّق آمالا خاصة على الرئيس ماكرون حين وصل الى السلطة خصوصا أنه أوضح آنذاك أنه من جيل الشباب وليست له علاقة بالتاريخ الاستعماري، لكن يبدو أن ضغوط لوبيات عدّلت آراء كثيرة وما زالت ترفض تلبية مطالب الجزائر وأبرزها:” الاعتراف بجرائم الاستعمار، وكشف الأرشيف، وتسليم رفات أو جماجم ثوار موجودة في متحف فرنسي، والتعويض عن التجارب النووية التي جرت في الجزائر (وفق اتفاق افيان) وتسليم خريطة بأمكنة تلك التجارب “.
في العام 2007، حين كان الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة يتناول العشاء مع ضيفه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قال له:” لقد اخذتم منّا كل شيء، أخذتم ثقافتنا، وسرقتم هويتنا، ولم نعد نعرف من نحن، هل أننا عرب، أم أوروبيون”( وفق تقرير منشور في مجلة l’Express الفرنسية.
يبدو أن الرئيس تبّون والجيش وكذلك جزءا كبيرا من الشعب الجزائري، يُريدون استعادة كلّ ذلك. وهذا حقّهم، على الأقل حفاظا على ذاكرة خيرة شباب الجزائر الذين ثاروا واستشهدوا لتبقى أرضهم زاخرة ب: ” النيف” والكرامة. فالدول التي لا تُدافع عن كرامتها، تدوسُها الأمم، وثمة فرق كبير بين بلد يُطالب المُستعمر بدفع ثمن استعماره، وآخر يدعو ماكرون للعودة الى الاستعمار ( كما فعلت بعض التظاهرات اللبنانية يأسا من ساسة بلادها).
لا مجال للفكاك بين فرنسا والجزائر، فهما جارنا وبحاجة لبعضهما البعض، لكن استمرار العلاقة يحتاج الى مستوى الندية وليس التبعية. وهذا ما تفعله الجزائر. ” النيف” ليس وجهة نظر.