آخر خبرثقافة ومنوعات

متاهات الوهم وتصويبات يوسف زيدان

ديانا غرز الدين 

يتشارك معظم الناس عادة بأوهام تؤثر على حواسهم وتفكيرهم  وتشوه الحقيقة. يتناقلونها عبر الاجيال حتى تترسخ في اذهانهم وفي لاوعيهم كحقائق ثابتة غير قابلة للتغيير. مثل ايمانهم بمعتقدات خاطئة تجعلهم لا يميزون بين ما هو حقيقي ومنطقي، وبين ما هو خطأ شائع او وهم.  لكن الاوهام لا تستطيع الصمود طويلا امام انوار العقل والمنطق. كانت الفلسفة اليونانية القديمة، بمثابة ثورة العقل ضد الخرافة، ومحاولة دؤوبة لمواجهة الاساطير التي شاعت وذاعت بفضل اشعار هوميروس الملحمية الشهيرة المعروفة بالإلياذة والأوديسة. وبما ان النهايات لا تصح الا بتصحيح البدايات، تبرز اهمية الماضي والتاريخ والتراث في فهم الحاضر ومعرفة كيفية معالجة مشاكله. ببساطة لان التراث ممتد في حاضرنا.. ولأن حياة الانسان هي مزيج من الدنيا والدين، وكلاهما لا غنى له عن الآخر.

يقول الفيلسوف الالماني الشهير هيغل: ” نتعلم من التاريخ، ان احدا لم يتعلم من التاريخ. “

في كتاب ” متاهات الوهم ” للروائي والباحث والمؤرخ المصري د. يوسف زيدان الذي ركز فيه على الحالة المصرية والمجتمع المصري بشكل خاص، سعي واضح ومحمود لتبديد الكثير من الأوهام ومناقشةٌ دقيقة وعميقة للكثير من مسلماتنا الحياتية وموروثاتنا ومحاولة جريئة لمحاربة الجهل بالمعرفة. هو كتاب ٌ يثير شغفنا الى اعادة النظر في خرافات نؤسس عليها وعياً مغلوطاً.

يستند الكاتب الى وقائع تاريخية فعلية وحقائق لا يمكن انكارها ويطرح مواضيع دينية حساسة يحللها ويناقشها بالمنطق والبراهين والادلة. وهو ما اثار جدلا واسعا في الاوساط المصرية (الثقافية والدينية). لكن زيدان اعتاد على الكثير من النقد الذي يبقى في معظمه مجرّد وجهة نظر غير مستندة الى مبرّرات وذرائع علمية تقارع الحجة بالحجة، وهو لم ينج من التعرّض لأسوأ التهم بسبب روايته السابقة ” عزازيل” التي اثارت عواصف من ردود الفعل الكثيرة وبينها من الكنيسة المصرية، لكن هذا لم يمنع أن تطير الرواية الى أربع اصقاع الأرض وتحقق نجاحا هائلا في الترجمات وتصبح مادة لأفلام سينمائية.

في البداية لم يشأ زيدان الرد، فهو يؤثر الغرق في ملفات ووثائق وكتب التاريخ والمخطوطات القديمة، على الانزلاق الى متاهات الجدل السفسطائي مع مجموعات ناقدة بلا عمق. لكن الدعوات المتكررة لعدم السماح بنشر بعض انتاجه وبينه عزازيل أثار فيه الرغبة بدفع الاتهام بالحجة والذريعة والوثيقة. فافرد صفحات عديدة في كتابه ” متاهات الوهم” ليس للدفاع وإنما للشرح والاسناد وتعزيز وتثبيت ما كتب لا التخلي عنه ضعفا أو خوفا او رغبة بعدم المواجهة.  

يعتقد الكاتب أن ليس من حق أحد مصادرة فكر الآخر وليس من الصواب ان يقتنع شخص بان الجميع مخطئون وهو وحده على صواب. وما أثاره في عزازيل من موروث تاريخي مُحقّق، ألّب الكنيسة اليعقوبية في مصر عليه فأتهمته بتدخله في شؤونها الداخلية وبانحيازه الى النسطورية ومحاولة القضاء على الديانة المسيحية و الخ…وغاب عن المتهِمين أن للرجل باعا طويلا في التدقيق بالمخطوطات القديمة التي جمعها من مصادر مختلفة بدءا بمكتبة الإسكندرية مرورا بمكتبات عالمية وصولا الى الكنيسة نفسها.  

في ما يلي ابرز النقاط  اللافتة التي وردت في كتاب “متاهات الوهم” :

  • “ذات ” المجتمع هو ما ينتج عن اندماج و انصهار للعناصر الراسية و الافقية التي يتألف منها المجتمع.  التعدد الرأسي هو تعدد طبقات الوعي و مستويات التحضر و الدين . و التعدد الافقي هو تنوع و اختلاف الجماعات التي يتألف منها المجتمع. 
  • القبط هم اهل مصر من المسيحيين، و كلمة قبط مستندة الى الكلمة اليونانية اجبتوس التي حورت و اصبحت اجبت و نطقها قبط. و هي تمييز لهم عن مسيحيي الشام و العراق الذين كانوا يسمون النصارى. 
  • اقباط مصر يدعون ايضا باليعاقبة، و ينتمون الى المذهب المونوفيزيقي الذي يعتقد بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح.  و هو ضد المذهب النسطوري الذي ينتمي اليه مسيحيوا العراق و الشام و الذي يقول ان للمسيح طبيعتين الهية و بشرية.   
  • الفرقة الناجية هي مفهوم ديني عام لا يرتبط حصريا بالاسلام. موجودة عند الاديان السماوية الثلاث و مشتقة من حديث نبوي يقول ” ستفترق امتي على بضع و سبعين فرقة، كلهم في النار، الا فرقة واحدة ( ناجية).”
  • اسطورة او وهم المخلص عند اليهود و المسيحيين او المهدي المنتظر عند الإسلام تبقى في سياق الأسطورة، فالمخلص لا يأتي و لا يخلص. و يبقى الناس في انتظاره صابرين على المعاناة لا يفعلون شيئا لتخليص انفسهم. 
  • المسيحيون ينظرون الى اليهودية باعتبارها مقدمة لديانتهم (العهد القديم) ، و لم يعد لهم مبرر للوجود بعد قدوم بشارة المسيح ( العهدالجديد). فيما يرى اليهود ان المسيحيين يعيشون على الخرافات لان المسيح (الماشيح) المنتظر لا يزال منتظرا و لم يأت بعد الى هذا العالم ليجعل اليهود ملوكا على الناس كما وعدهم كتابهم المقدس التوراة.
  • مفهوم الجهاد ايضا ليس حكراعلى الاسلام. بل هو مفهوم ديني اصيل في الديانات الثلاث.  فعند اليهود  يسمى جهادهم بحرب الرب المقدسة.  و عند المسيحيين كانت الحروب الصليبية التي اكتوى العالم بنيرانها لعدة قرون.  و عند المسلمين ينقسم الجهاد الى نوعين: الجهاد الاصغر و هو الحرب و القتال، و الجهاد الاكبر هو جهاد النفس تحت مسمى التصوف الاسلامي الذي يهتم اهتماما خاصا باصلاح عيوب النفس و مخالفة اهواؤها،  و هو الجهاد الاشقى و الاصعب .

تطرق الكاتب أيضا الى مفهوم الخلافة و البابوية  اللتين، وفق ما يقول، حرصتا على اذكاء حالة الغباء العام و الجهالة العمومية عند الناس من اجل استمرار رجال الدين و السياسة في مناصبهم و في التحكم برقاب العباد.  كما  شرح  تاريخ مصر منذ ما قبل الفتح او الغزو الاسلامي حتى وصول الفاتح عمرو بن العاص.  وتوقّف عند انقسام الكنائس آنذاك و تناحرها حول الوهية و طبيعة المسيح.  و كشف الكثير من الأقنعة عن أخبار رهيبة عن “المقوقس” رجل الدين المسيحي الذي حكم مصر بالدم و الفظائع قبل وصول الاسلام ، والذي عانى المسيحيون في عهده من الويلات و الظلم.  كما تابع اخبار الفتوحات الاسلامية حتى بحر الظلمات (اي المحيط الاطلنطي) وهو اقصى ما وصل اليه العرب في فتوحاتهم.  

يقول زيدان أيضا:

  • إن العرب كانوا يسمون قبائل شمال افريقيا “البربر” (وهم الذي يفضلون لقب الأمازيغ). وكثير من البربر انخرطوا في الاسلام تدريجيا. ولكنهم الى يومنا هذا لا يزالون يرون في أنفسهم شأناً ومكانة اعلى من العرب و يستعلون عليهم باعتبار انهم (البربر) اصحاب البلاد الاصليين. كما ان الرومان كانوا يسمون الجماعات النازحة من شمال اوروبا الى جنوبها اي اسبانيا والبرتغال بالبرابرة.
  • إن اسم النيل مشتق من اسمه اليوناني الاصلي نيلوس و البتراء في الاردن مشتق اسمها من الكلمة اليونانية بترا التي تعني الصخر.  وهي ليست كلمة عربية فصيحة كما تبدو.
  • سمى المسلمون ما سبقهم زمنا بإسم (الجاهلية). سموا مخالفيهم كفار. بينما سمى المسيحيون مخالفيهم (هراطقة). وسموا أنفسهم اصحاب الايمان القويم. اما اليهود فسموا غيرهم (الامم) و سموا انفسهم ابناء الله.

لم يغفل يوسف زيدان  ذكر” الحنين” العربي للزمن الاندلسي الضائع و الحلم الساذج باسترجاع مجده، و الصلة بين العرب و الاسبان و التشابه العميق في الشخصية العامة و التكوين الثقافي و التراث المشترك وكأن اسبانيا هي امتداد لبلاد المغرب العربي الاسلامي الذي ترك بصمته الواضحة في طرازها المعماري حتى اليوم، وفي حركتها الثقافية و الفكرية آنذاك التي انتجت العدد الكبير من العلماء و المفكرين المسلمين الذين كانوا منارة للعلم و الحضارة في اوروبا و آسيا الوسطى .

هذا الكتاب ممتع ويحوي الكثير من المعلومات التاريخية القيمة و هو تجميع لمقالات اعيد صياغتها بأسلوب الكاتب البديع، ولا بد من قراءته اذا كنا نريد فعلا التخلّي عن أوهام ومتاهات التاريخ لنبني حاضرا أكثر وضوحا وثباتا.

 يوسف زيدان كاتب و باحث متخصص بالتراث العربي له ابحاث و مؤلفات في الفكر الاسلامي و التصوف كما له اعمال روائية بارزة يتربّع اليوم على عرش أكثر من 80 كتابا بين الرواية والتخصص، وهو من مواليد عام ١٩٥٨ في الإسكندرية التي عمل مديرا لمركز مخطوطاتها الشهير، قبل أن يصبح كاتبا عالميا بامتياز.

كتاب “متاهات الوهم” صادر عن دارش الشروق في مصر، وكانت الطبعة الأولى منه في العام 2013، وهو جزء منثلاثية الكتب التالية:     

————————————————————————————————————————————- 

يمكنكم قراءة مقال آخر على موقع لعبة الأمم بقلم سامي كليب  حول متاهات الوهم وما صحّحه يوسف زيدان بشأن تاريخ العرب والمسلمين في الاندلس والفتوحات أو الغزوات. لعلّه نسف الكثير من المسلمات

  يوسف زيدان : وَهمُ الأندلس وخطأ الخليفة وإغتصاب الأميرة

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button