ماكرون: من الأحلام الفرنسية الى الصفعات الدولية

هادي جان بو شعيا

تتلاحق الأزمات الداخلية والخارجية في فرنسا، وترتفع وتيرة اتهام الرئيس إيمانويل ماكرون بالعجز، فيعزز اليمين المتطرف هجومه قبل الانتخابات المقبلة خصوصا مع ظهور اسم جديد هو إيريك زيمور، ما يطرح أسئلة كثيرة ليس فقط حول مستقبل الرئيس الذي اعتقد حين جاء من خارج المنظومة السياسية القديمة أنه سيحدث ثورة فعلية في البلاد، ولكن أيضا حول مجمل الدور الفرنسي في العالم.

خارجيا يبدو الارتياب الذي يسيطر حاليا على العلاقات الفرنسية مع شركائها عبر ضفتي الأطلسي، وتحديدًا مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مثيرا للاهتمام والقلق، مرورًا بالمحيط الهادئ حيث خسرت باريس صفقة الغواصات التي سبق وعقدتها مع استراليا والتي تقدر بـ64 مليار دولار، قبل أن تستدير كانبيرا نحو تحالف “أوكوس”، وصولاً إلى الساحل الإفريقي والحديث هنا عن جمهورية مالي.

ففي هذه الجمهورية الافريقية التي طالما اعتبرتها فرنسا إحدى حدائقها الخلفية ونشرت فيها جيشا منذ سنوات لمحاربة الإرهاب، يتوقّع كثيرون أن تتلقى باريس فيها صفعة أخرى ولكن هذه المرة من قبل روسيا  التي تعزز وجودها في منطقة الساحل الإفريقي. فالحكومة المالية تعتزم استقدام شركة “فاغنر” الأمنية الروسية الخاصة بغية مساعدتها في مهام محددة، الأمر الذي أغضب باريس ودولاً أوروبية أخرى تساهم بشكل أو بآخر في دعم عملية “برخان” الفرنسية، التي انطلقت عام 2013.

في خلال الأيام القليلة الماضية،  مارست باريس حملة تنديد واسعة إزاء ما جاء على لسان رئيس وزراء مالي تشوغويل كوكالا مايغا في خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي، والذي قال فيه إن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حزيران/يونيو الماضي إعادة تنظيم الوجود العسكري الفرنسي في مالي هو “نوع من التخلي عن بلادنا في منتصف الطريق”.

ما زاد الطين بلّة، أن ماكرون لم يحسن قراءة موقف كوالا مايغا، وآثر، في خضم التصنعيد الحاصل بين باريس وباماكو، وصف الموقف المالي بالمخزي قائلاً: “أنا أدرك أن الماليين لا يفكرون كذلك”، مؤكداً أن “شرعية الحكومة الحالية” المنبثقة من انقلابيْن شهدتهما البلاد منذ 2020 هي “باطلة ديموقراطياً”.

هذا التصريح من قبل سيد الإليزيه  الذي وصف فيه الحكومة المالية الحالية بالباطلة، أشعل العلاقة بين الجانبين كالنار في الهشيم ليرفع من منسوب الاحتقان الذي تشهده العلاقات الفرنسية – المالية، منذ الانقلاب الذي أطاح بالرئيس أبو بكر كيتا في آب/أغسطس 2020، والذي أعقبه انقلاب آخر بعد تسعة أشهر، من المجلس العسكري نفسه.

الواقع أن ما يجب التوقف مليًا عنده هو أن مجموعة “فاغنر” على الرغم من كونها شركة خاصة، إلا أن المتعارف عليه، هو أنها لا تنفّذ مهامًا من دون نيل موافقة ضمنية من الحكومة الروسية، حيث يتولّى الإشراف على الشركة يفغيني بريغوجين المقرّب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ولعلّ المهمة المعلنة لألف عنصر من “فاغنر” هي تولي حراسة الشخصيات المالية وبعض مناجم التعدين، في وقت يزداد نفوذ التنظيمات الجهادية في البلاد، لا سيما تلك المبايعة لتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، بحيث لم تعد ثمة نقطة آمنة على الحدود مع النيجر وبوركينا فاسو في ظل  هجمات الجهاديين التي باتت تأخذ طابعاً شبه يومي مع اقتراب الهجمات أكثر من باماكو.

وعلى الرغم من قيام الجنود الفرنسيين بقتل العديد من قادة هذه التنظيمات، إلا أن المساحة الشاسعة التي يعمل فيها المسلحون تمتد على كل دول الساحل التي تضم إلى جانب مالي، النيجر والتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا. ليس هذا فحسب، بل إن الهجمات باتت تطاول دولاً مجاورة مثل ساحل العاج وبنين.

وفي سياق الاهتمام الروسي الجديد-القديم بالقارة السمراء يمكننا رصد المعطيات التالية:

– زيارة وزير الدفاع المالي ساديو كامارا إلى موسكو.

– استتباع الزيارة بقرار روسي قضى ببيع مالي أربع مروحيات قتالية.

 – العلاقة المتينة التي كانت تربط  العاصمة المالية باماكو، بُعيد استقلالها في ستينات القرن الماضي مع الاتحاد السوفياتي السابق.

– قرار روسيا تجديد البحث عن علاقات مع القارة السمراء.

– عقد بوتين القمة الروسية – الأفريقية عام 2019.

– إرسال مجموعة “فاغنر” مقاتليها إلى ليبيا وأفريقيا الوسطى رغم التنديد الغربي بمثل هذه الخطوة.

– محاولة الكرملين الافادة من فشل المهمة الفرنسية في دول الساحل وتزعزع الثقة بين باريس وتلك المنطقة لإقامة موطئ قدم فيها.

– محاولة روسيا استعادة ما كان لديها من نفوذ إبّان الحقبة السوفياتية في إفريقيا عموماً.

هذه المعطيات وسواها تؤكد على الرغبة الروسية المحمومة بالتمدد نحو قارة إفريقيا، والتي من البديهي أن ترفع منسوب القلق لدى القوى الاستعمارية التقليدية على غرار فرنسا. يتزامن ذلك مع تلقي باريس ما وصفتها بـ”طعنة بالظهر”  من قبل مثلث التحالف الأمني “أوكوس” والمتمثل بالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأستراليا بعدما أقدمت الأخيرة على استبدال عقد الغواصات الفرنسية بأخرى  أميركية وبريطانية تعمل بالدفع النووي ضمن ما بات يصطلح تسميته ب “العقيدة الأميركية الجديدة “لمواجهة النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي الهادئ.

يبدو أن الصفعات الخارجية التي تتلقاها سياسة ماكرون من قبل حلفاء تقليديين كأميركا وبريطانيا وأستراليا وداخل الاتحاد الأوروبي، وتلك المنتظرة من قبل روسيا والصين،  والصفعة الفعلية التي تلقاها ماكرون من شاب كان يهتف في جنوب فرنسا في الصيف الماضي ” تسقط الماكرونية “، يبدو أن كل ذلك لا يُبشر بأي خير للرئيس الشاب الذي دغدغ أحلام كثيرين حين وصل الى الاليزة، وما عاد قادرا على تحقيق حلم واحد لنفسه أو للاخرين في ما بقي من وقت للانتخابات.

lo3bat elomam

Recent Posts

أنا وجسدي والعيد: سيادة من تحت الركام

أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…

1 day ago

Des salles d’asile à l’école maternelle !

Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…

1 week ago

الإصلاح والسلاح ومصير لُبنان

سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…

1 week ago

Du natron au sapo, pour arriver au savon !

Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…

2 weeks ago

تراجيديا السّاحل : عندما تُقتلُ مرّتين

مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…

3 weeks ago

الحدث السوري والغرائز المتوحشّة منذ الثمانينيات حتّى اليوم

سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…

4 weeks ago