هادي جان بو شعيا
هل تغيرت طالبان فعلاً أم أنها تنتظر خروج آخر جندي أميركي من أفغانستان؟هذا السؤال مطروح بقوة هذه الأيام لمعرفة مآلات الأمور في كابول بعد سيطرة الحركة على معظم مقاليد البلاد، ومطروح أيضا في الأوساط الأميركية والغربية التي تتراوح مواقفها بين النظر الى الانسحاب الأميركي على أنه هزيمة معيبة ومخيّبة للآمال، وبين قائل بأن ما حصل جاء بناء على اتفاقات ضمنية يجب انتظار مفاعيلها لاحقا، لكن ثمة أصواتا بدأت تظهر تشير الى إحتمال اعادة قراءة عميقة داخل الادارة الاميركية نفسها بغية إجراء تغييرات في أوساط المستشارين.
المتحدث بلسان حركة طالبان يعد بحكومة شاملة تقوم على مبدأَيْ المصالحة الوطنية وضمان حقوق المرأة، فيما يقول الرئيس الأميركي جو بايدن إن الحركة تمرّ بأزمة وجودية بشأن إذا ما كانت تريد الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بها كسلطة شرعية نظرًا لتشبثها بقناعاتها، إلا أنها، في الوقت ذاته، تعمل لتوفير الغذاء والموارد والأموال من أجل تسيير الاقتصاد فضلاً عن الحفاظ على تماسك المجتمع الذي تقول انها تهتم لأمره.
رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي حذّرت طالبان من مغبة تجريد المرأة الأفغانية من حقوقها. وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي ميتش ماكونيل فذهب أبعد من ذلك، محذرًا من تحوّل أفغانستان إلى ملاذ آمن للإرهابيين، وذلك فيما تباينت الآراء والمواقف على نحو أكثر حدة بين الخبراء والمحللين السياسيين الأميركية والغربيين حيال الأثر الدولي الكبير الذي خلّفه الانسحاب أميركيا وعالميا، فثمة من تحدث عن شجاعة وحكمة بايدن في إنهاء أطول حرب أميركية استمرت 20 عاما وكلّفت أكثر من 2،6 تريليون دولار ونحو 7 آلاف قتيل أميركي، وهو ما لم يجروء أي رئيس قبله على الإقدام عليه، بينما قال آخرون إن ما حصل كان معيبا ومخيّبًا للآمال ومحبطًا إلى حدّ كبير.
الواقع إنه إذا كان ثمة من لا يزال يعتقد بأن بقاء القوات الأميركية في أفغانستان كان سيُشكّل ضمانة لعدم إنهيار الوضع، فإن ما حدث من انسحاب أميركي بالشكل والمضمون، يمثل كارثة كبيرة تلطّخ سمعة الولايات المتحدة الأميركية، وتشجع خصومها أكانوا معتدلين أو متطرفين أو إرهابيين.
ما الفرق بين بايدن وترامب؟ :
1-اتفاق الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مع طالبان كان سينهي “بكرامة” أطول حروب أميركا، لكن بايدن قرر عدم الالتزام بما ابرمه سلفه وفضّل الانسحاب بطريقة مهينة لتضحيات الجنود الأميركيين، وفق ما قال معلّقون، وصفوا الانسحاب بأنه أكبر إهانة لأميركا منذ أزمة الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، ناهيك عن افتقار بايدن لخطة الانسحاب بحدّ ذاتها وما بعدها، فضلاً عن الإحراج الذي طال واشنطن دوليًا والتشكيك الذي انتاب حلفاءها بإمكانية الاعتماد عليها مجددًا.
كان الاتفاق الذي أبرمته إدارة ترامب مع طالبان قد جعل الوضع مستقرًا، بحيث بدأ الانسحاب التدريجي مشروطًا بإيقاف طالبان الهجمات على القوات الأميركية، وعدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين، والتفاوض مع القادة الأفغان على تشكيل حكومة جديدة. وكانت طالبان تعي أن خرق الاتفاق كان سيقابل برد أميركي سريع وحازم، وان الأمور قد تصل الى ما وصل اليه الاشتباك الاميركية الإيراني حين تم اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني وأبو بكر البغدادي على يد القوات الأميركية .
المقارنة بين ترامب وبادين تبدو ظالمة للأخير، نظرا لعدم معرفة كل ظروف ما حصل بين الإدارة الاميركية الحالية وطالبان، لذلك ربما ينبغي الانتظار قبل الحكم على ما إذا كانت مهمة أميركا الطويلة في أفغانستان قد فشلت أم لا، خصوصًا أن طالبان ستجد نفسها أمام تحدي توفير الأمن والعمل للأفغان مع توقف المساعدات الأميركية. كما يتوجب عليها ضمان بقائها وهي تسبح في بحر من أسماك القرش، إذا جاز التعبير، على غرار باكستان والهند والصين وروسيا وتركيا وإيران، ما يضطرها لاقامة علاقات مع واشنطن.
إعادة النظر بفريق بايدن للأمن القومي
إن مطالبة بايدن بإجراء تغيير في فريقه للأمن القومي الذي أشرف على انسحاب أميركا من أفغانستان، من منطلق أن هذا الفريق يضم أشخاصًا متواضعي الخبرة ولم يشغلوا مناصب ديبلوماسية سابقة، يبدو صحيحا ومفيدا ومهما في الوقت الراهن، ما يفترض أن تلجأ الإدارة الى تغييرات في صفوفها، فمثلا مستشار بايدن للأمن القومي جيك سوليڤان فشل في ترجمة رغبة بايدن بالانسحاب إلى سياسة تجنّب أميركا تداعيات سيئة، وكان عليه أن يعرض أمام الرئيس المخاطر المرتبطة بالخروج من أفغانستان بدل الانسياق خلف القرار ببساطة.
وبناء عليه، يجب على بايدن إعادة النظر في الأشخاص الذين سيتخذ معهم القرارات الكبرى في السياسة الخارجية والعمل على إصلاح الضرر الذي لحق بسمعة أميركا وصدقيتها على المسرح الدولي. ذلك أن سياسة الانسحاب التي تبنتها الولايات المتحدة تجعل المجتمع الدولي عمومًا، وأميركا خصوصًا، أقل أمنًا وستسهم في إطالة أمد الحروب وبث الرعب والفوضى وتغلغل الإرهاب من كل حدب وصوب، وتُضعف تماما معنويات حلفاء أميركا في المنطقة.
——————————————————————————————————-
الكاتب:
هادي جان بوشعيا: إعلامي وكاتب لبناني