طالبان وواشنطن صراعٌ أم تفاهمات سرّية؟

هناء الأعرج-الأردن
فرضت التطورات الاخيرة في أفغانستان نفسها داخل مساحات الفعل السياسي العالمي ،فالحدث الكبير والتنظيم الاكثر تشددا أحكم قبضته على الدولة دون اي مواجهة، وانسحاب امريكي يترك خلفه عددا كبير من الأسئلة حيث يبدو ان قواعد اللعبة الجيوسياسية يعاد انتاجها مجددا وفق تفاهمات لا صراعات.
طالبان من هم اولا؟
تعد حركة طالبان احدى تنظيمات الاصولية الجهادية في العالم ظهرت خصوصا عام ١٩٩٤ ، حين تفرعت من تنظيم القاعدة. آنذاك، كان تحالف الولايات المتحدة مع الاسلام الجهادي قد بدأ يتفكك بعد انجاز المهمة في اسقاط الوجود السوفياتي في باكستان وأفغانستان.وصار لافتا أن القاعدة وطالبان حليفتا امريكا ترفعان شعارات الموت لامريكا وتنفذان هجمات لمواقع حيوية أمريكية في تنزانيا وغيرها.
وفي عام ١٩٩٨ استولت طالبان على الحكم في افغانستنان  وفرضت نظاما دينيا متشددا فيما عرف بنواة دولة الخلافة الإسلامية.
بعد ١١ سبتمر ٢٠٠١ ، أعلن الجمهوريون الاميركيون بقيادة جورج بوش الابن حربا على طالبان التي باتت حاضنة واسعة لتنظيم القاعدة ، وتحت شعار الحرب على الإرهاب غيّرت الولايات المتحدة الامريكية من تركيبة الحكم السياسي في أفغانستان. وبقي الصراع مع طالبان يجري  تحت السطح.
تفاهم مع إميركا
عودة طالبان اليوم الى صدارة المشهد الأفغاني والعالمي ، ليست وليدة الصدفة ، بل هي في خضم التفاهمات الثنائية التي شهدتها العاصمة الدوحة. فاثناء زيارة وزير الخارجية الاميركي السابق مايك بومبيو الى قطر في فبراير عام ٢٠٢٠ ،  جرى ترتيب سحب القوات الامريكية من افغانستان وذلك فيما عكست هذه الخطوة تغييرا في اولويات امريكا تجاه المنطقة ، وذلك مقابل رفع القيود عن حركة طالبان واتاحة المجال لها للعمل السياسي.
وهو ما تؤكده البراغماتية التي ظهرت طالبان خلال مؤتمراتها الصحفية في الايام الماضية حيث قدّمت خطابا مرنا على عكس خطابها المتشدد سابقا.
والآن وبعد انقضاء عشرين سنة ، يبدو أن الولايات المتحدة تعيد انتاج معادلات جيوسياسية حساسة.فأفغانستان تشمل موقعا جيوساسيا حساسا بحكم حدودها مع ايران والصين ،وقد يجري استثمار طالبان كقوى مقلقة لبكين وطهران، سيما بعد تصريحات مجلس الامن بتسهيل الهجرات الافغانية دون تصاريح واعلان دول رفضها لذلك لما يهدد بتشكيل خواصر رخوة في محيطها الجغرافي، وذلك ضمن سياسية ثنائية العبث والخرائط والديموغرافيا.
هذه المعادلات ،تعيد الى الأذهان  نظرية الحزام الديني لصاحبها برينيجسكي في سبعينات القرن الماضي
والذي كان يهدف الى بناء حزام ديني ضد السوفييت يمتد من غرب اسيا الى القرن الأفريقي. اذ يجري اليوم تشكيل الحزام نفسه ، ولكن هذه المرة ضد مشاريع الصين في البنى التحتية خاصة مشروع الحزام والطريق،
وضد روسيا التي تسعى الى بلورة اوراسيا الجديدة في محيطها الإقليمي وحتما ضد إيران .
هل تنجح أميركا أم أن الأطراف الثلاثة المستهدفة أي الصين وروسيا وإيران لديها أيضا ما تعرضه على طالبان ؟ لا شك أن الحركة الإسلامية المتشددة تستفيد من هذا التنافس الدولي وسوف تختار ما يناسبها للاستقرار على رأس السلطة وفرض قبولها عالميا .
lo3bat elomam

Recent Posts

اتفاق ترامب/ايران حين تتقدم المصالح على المباديء

سامي كليب  لا شك في أن العالم يعيش لحظاتٍ استثنائية قد تقلب وجه الشرق الأوسط…

يوم واحد ago

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes Nadine Sayegh - Paris On l’associe…

5 أيام ago

حروب إسرائيل الكبرى وأوهام وقف النار

سامي كليب  إذا كانت الحروب في العالم تنتهي عادة بالاتفاق على وقف إطلاق النار أو…

أسبوع واحد ago

دبلوماسية تبون في زمن الحروب، لماذا اختار عريف سفيرًا في لبنان.؟

 د.ساره قوراري (كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية) في الوقت الذي يعيش  لبنان واحدة…

أسبوع واحد ago

الحرب والسلام بعد الصفقة الاميركية الصينية

سامي كليب  هو الشرق إذا يعادُ رسمُه على شفير الحروب من جهة والتفاهمات والصفقات الكُبرى…

أسبوع واحد ago

الجزائر وفرنسا بعد الخصام، اعتذارٌ ووئام

حيدر حيدورة-الجزائر انتصرت لغة العقل والحوار والواقعية على لغة التهديد والقطيعة ونسيان الماضي الأليم في…

أسبوع واحد ago