نينا سايمون قهرت العنصرية بصوتها الشجي

فرنسا-نجاح زيدان

بدأت بالغناء في الثالثة من عمرها، أصبحت عازفة بيانو الكنيسة في سن الخامسة. تحطم حلم طفولتها بأن تصبح أول عازفة بيانو كلاسيكي سوداء في أمريكا بسبب لون بشرتها. كرّست فنها وغنائها للدفاع عن حقوق السود والنساء في أمريكا. أغانيها مزيج من البلوز والجاز والتراث الديني. وصفاتها : متمردة، ثائرة، موهوبة وغاضبة

إنها يونيس وايمون المعروفة باسم نينا سيمون.

ولدت نينا سيمون في ٢١ شباط عام ١٩٣٣ في كارولينا الشمالية، وهي السادسة في عائلة مؤلفة من ثمانية أطفال. غنّت مع إخوتها في كورال الكنيسة التي تولّت بدفع دروسها الموسيقية لفترة عام. استمرت نينا سيمون مع أستاذتها ميريل ماسينوفيتش لفترة ست سنوات والتي تعتبرها نينا والدتها البيضاء.

ازداد ولع الطفلة الموهوبة بالبيانو وبالموسيقى الكلاسيكية وأصبح حلمها دخول المعهد الموسيقى المرموق كورتيس في فيلادلفيا.

في سن العاشرة وخلال عرض موسيقي لها في الكنيسة، طلب زوجان من البيض والديها الجالسين في الصف الاول بالرجوع الى المقاعد الخلفية . انصاع الوالدان للطلب وهمّا بترك مقعديهما مما جعل الطفلة الموهوبة تتدخل وترفض بأن يغير والديها مكانيهما. كان لهذه الحادثة أثر مر المذاق عند نينا سيمون فكتبت: ” أصبحت العنصرية حقيقة بالنسبة لي، كما لو أنه قد أضيء نور.”

 تفوقت في الثانوية وحصلت على المرتبة الاولى، لتحصل فيما بعد على شهادتها في دراسة الموسيقى من مدرسة الموسيقى المرموقة جويارد في نيويورك. لكن معاناتها بدأت عندما تم رفض تسجيلها في معهد الموسيقى كورتيس في فيلادلفيا بسبب لون بشرتها. هذا الالم رافقها حتى نهاية حياتها رغم الشهرة التي بلغتها والتي تجاوزت شهرة المعهد نفسه.

اضطرها الرفض للعمل هنا وهناك في عالم الاستعراضات والعزف في أحد البارات في أتلانتيك سيتي بعد أن غيرت اسمها كي لا تحرج والدتها والتي كانت تطلق على هذا النوع من أغاني البارات ” أغاني الشيطان”. اختارت اسم نينا ما يعني بالإسبانية البنت الصغيرة واسم سيمون تيمنا باسم الممثلة الفرنسية سيمون سينيوريه . وبدأت شهرتها   بأغنية.love you porgy حيث باعت منها مليون نسخة

خيبة أمل نينا سيمون بالتسجيل في معهد الموسيقى كان مصدر إلهام لأفكارها وسيرتها الفنية ضد التمييز العنصري. أغانيها   To be young, Gifted ans black الثورية في فترة الستينيات توازت مع ارتباطها بالحركة المطالبة بالحقوق المدنية للسود، فاصرت أغانيها أناشيد لحركة التحرر ذات الأصول الافريقية.

كان حلمها لقاء نيلسون مانديلا والذي تحقق في ١٩٩٨ باحتفالية عيد ميلاده الثمانين.  ربطتها صداقة مع رمزي النضال لحقوق السود مارتن لوثر كينغ ومالكولم اكس.

بالرغم من إلغاء العبودية في عام ١٨٦٥ والاعتراف بحق السود في الاقتراع عام ١٨٧٠،إلا أنّ قوانين جيم كرو فرضت الفصل بين السود والبيض في الأماكن العامة، مما حال دون وجود السود في أماكن الاقتراع.

وصلت حركة السود لمبتغاها عندما أصدر الرئيس ليندون جونسون بتاريخ ٢ تموز ١٩٦٤ قانونا يقر بحقوق السود المدنية واضعا” بذلك نهاية للتمييز العنصري والعنصرية ضد النساء والاقليات الاثنية والدينية.

لكن بالرغم من صدور القانون ومعاقبة من يمارس التمييز العنصري، إلا أنه في عمق الجنوب استمرت السلطات المحلية بسياساتها العنصرية المقيتة وخاصة بوجود الجماعة العنصرية كو كلوكس كلان.

في عام ١٩٦٥ كان مارتن لوثر على رأس مظاهرات ( المشي من سلم وحتى مونتغمري) احتجاجا على منع السود من التصويت في مدينة سلِم التي أصبحت فيما بعد مقر الثورة. شاركت نينا سيمون في المظاهرات التي وقع ضحيتها عدد من القتلى واكثر من ستين جريحا، ليتم اصدار قانون جيد في آب من العام نفسه بحق السود بالتصويت.

شكلت حرب فيتنام سببا لوقف حركة السود للمطالبة بحقوقهم وخاصة بعد اختفاء العديد من قادتها سواء بالاغتيالات أو بمغادرة أمريكا. لم تتحمل نينا سيمون البقاء في أمريكا فغادرتها عام ١٩٦٩ الى افريقيا ومنها الى اوروبا حيث استقرت في جنوب فرنسا حتى وفاتها في ٢١ نيسان عام ٢٠٠٣. في مقابلة لها صرحت بأن أغنية ” مسيسيبي اللعنة” عبارة عن نغمة نبوية تنذر بموت أمريكا. رفضت أن يلصق بأغانيها تسمية الجاز معتبرة أنه تسميه أطلقها البيض على أغاني السود، مفضلة تسمية موسيقى السود الكلاسيكية.

 غنّت نينا سايمون اكثر من خمسمائة أغنية وأصدرت خمسين ألبومًا، عاشت سنواتها الاخيرة وحيدة . آخر ألبوم لها عام  كان ١٩٩٣ بعنوان امرأة وحيدة.

———————————————–

الكاتبة: د.نجاح زيدان 

باحثة واستاذة جامعية في ليون الفرنسية

lo3bat elomam

Recent Posts

أنا وجسدي والعيد: سيادة من تحت الركام

أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…

2 days ago

Des salles d’asile à l’école maternelle !

Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…

1 week ago

الإصلاح والسلاح ومصير لُبنان

سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…

2 weeks ago

Du natron au sapo, pour arriver au savon !

Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…

3 weeks ago

تراجيديا السّاحل : عندما تُقتلُ مرّتين

مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…

3 weeks ago

الحدث السوري والغرائز المتوحشّة منذ الثمانينيات حتّى اليوم

سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…

4 weeks ago