فورين بوليسي : لهذه الأسباب إسرائيل ستكون منبوذة

فورين بوليسي: لهذه الأسباب إسرائيل ستكون منبوذة
الكاتب : David Rosenberg
ترجمة من الانكليزية : د. إيميلي توران
إذا كانت إسرائيل ما زالت تتساءل عما إذا كانت ستصبح منبوذة بسبب الحرب في غزة، فإن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، قدَّم لها إجابة واضحة يوم الاثنين ( 20 أيار/مايو)، مطالبًا بإصدار مذكرة توقيف دولية ضدَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت.
الحقيقة أن مذكرات التوقيف المطلوبة أيضًا لقادة حماس يحيى السنوار، إسماعيل هنية، ومحمد ضيف لا تُشكل سوى عزاءً بسيط لإسرائيل، التي تجد نفسها مساوية لمنظمة إرهابية. والأهم من ذلك، أن هذه المذكرات سيكون لها عواقب أكثر خطورة على الدولة العبرية.
إسرائيل ليست دولة معزولة وهي متكاملة تمامًا مع بقية العالم بفضل التجارة، والمستثمرين، والسياحة، وكذلك بفضل روابطها الثقافية والأكاديمية والعلمية. لن تؤدي مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية إلى عرقلة تحركات نتنياهو الخارجية فحسب، بل ستلقي بظلالها على البلاد بأكملها. ستكون إسرائيل أول ديمقراطية غربية تتعرض للعار بوجود هارب يسعى لتجنب العدالة الدولية على رأسها.
إسرائيل بين الغضب والشكوك تجاه المحكمة الجنائية الدولية
قضية المحكمة الجنائية الدولية تلخص بمفردها التحديات التي تواجهها إسرائيل بعد ما يقرب من ثمانية أشهر من الحرب في غزة. هذه الحرب تثير المزيد من الاستنكار من المجتمع الدولي. وقد أثارت هذه الانتقادات تعبئة كبيرة في جزء كبير من الغرب لعزل إسرائيل، إن لم يكن اقتصاديًا، فعلى الأقل نفسيًا وأخلاقيًا من خلال مقاطعة أكاديمية وفنية.
هل ستساهم مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في توسيع قاعدة الحركة المناهضة لإسرائيل وزيادة قوتها؟ هل سيتحول الرأي العام بشكل لا رجعة فيه عن إسرائيل؟ هل سترفض الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرون، على سبيل المثال، العمل مع إسرائيل؟ وهل ستفرض الحكومات عقوبات اقتصادية؟
من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة في الوقت الحالي. ولكن شيئًا واحدًا مؤكدًا: إنَّ المقاطعات، حتى الخفيفة منها، والعقوبات والانسحاب المحتمل للمستثمرين سيُضعف إسرائيل أكثر من أي دولة أخرى تقع في مرمى المحكمة الجنائية الدولية.
الدفاع والاقتصاد:
إسرائيل دولة تعتمد على العالم الخارجي رغم كونها دولة غنية، إلا أنّها دولة صغيرة، وسوقها الداخلية لا تتيح إنتاج معظم المنتجات التي تحتاجها، سواء كانت السيارات أو النفط الذي يشغلها، أو الفولاذ للبناء أو الهواتف الذكية. تُمثل التجارة الخارجية 61٪ من ناتجها المحلي الإجمالي. لا يمكن التفكير في استبدال الواردات التي طبقتها، بنجاح متفاوت، روسيا وإيران، فهاتان دولتان أكبر بكثير وتتعرضان للعقوبات. في العقد الماضي، تجاوزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة 4٪ من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل ، وهو أعلى بكثير من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
.نتنياهو يتبنى موقف “التحدي”:
بعد تهديد بايدن قطاع التكنولوجيا العالية، فإن المحرك للنمو الاقتصادي الإسرائيلي خلال العقدين الماضيين والذي أصبح علامة تجارية مميزة لها، سيكون بلا مستقبل خارج إطار اقتصاد معولم. في السنوات الثلاثة الماضية، مثَّلت رؤوس الأموال الأجنبية ثلاثة أرباع الاستثمارات في الشركات الناشئة الإسرائيلية. ذلك أنَّ الشركات التكنولوجية في إسرائيل موجهة بالكامل نحو الأسواق الخارجية، وأكبرها مدرجة في وول ستريت.
عندما هدد الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في منتصف مايو، بقطع إمدادات بعض الأسلحة عن إسرائيل إذا غزت رفح، وعد نتنياهو بأن بلاده ستقاتل “بأظافرها”. قال : “إذا اضطررنا للبقاء وحدنا، سنبقى وحدنا.” لكن هذا وعد فارغُ المعنى. فرغم أن الصناعة العسكرية الإسرائيلية كبيرة جدًا ومتطورة جدًا من الناحية التكنولوجية، إلا أنها لن تتمكن أبدًا من تلبية احتياجات البلاد من الطائرات المقاتلة، والغواصات، والقنابل. إنَّ الحرب ضد حماس في غزة، التي تتطلب كميات هائلة من الذخيرة المقدمة من الولايات المتحدة، وهي تحتاج وحدها لهذا الاعتماد على الخارج، فماذا لو امتد الصراع إلى لبنان ضد حزب الله، ستحتاج إسرائيل عندها إلى المزيد من الأسلحة الأمريكية.
حتى المقاطعة الاقتصادية أو الأسلحة الصغيرة النطاق ستكون تهديدًا خطيرًا لإسرائيل. لكن حتى الآن، لم يكن هذا هو الحال.
العزلة الثقافية.
تواجه إسرائيل دعوات للمقاطعة والعقوبات في الجامعات وبين الدوائر الفنية والأدبية. لكن رغم التغطية الإعلامية الكبيرة التي تلقتها، لم تلق هذه الدعوات استجابة كبيرة. فقد التقت 12 مؤسسة جامعية فقط مع قادة الحركات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين واستمعت إلى مطالبهم (إنهاء الشراكات مع الشركات التي تتعامل مع الحكومة الإسرائيلية أو جيشها). لكن لم تلتزم أي جامعة بشكل حازم ونهائي حتى الآن. وبالتالي فما لم تستأنف الاحتجاجات بنفس القوة بعد العطلة الصيفية، وتتم إزالة العقبات القانونية والمؤسسية، فإن هذه المطالب قد لا تتحقق.
التهديد الأكثر جدية يأتي من شكل أكثر نعومة ولكنه أكثر فعالية من المقاطعة: فهو يأتي من الأكاديميين، وكذلك الفنانين والكتاب. العالم الأكاديمي الإسرائيلي معولم مثل قطاع التكنولوجيا، وسيجد صعوبة في الحفاظ على مكانته في عالم تُرفض فيه الأعمال البحثية من قبل المنشورات الدولية، ويحرم الأكاديميون من المؤتمرات، ويتم منع الوصول إلى المنح والتبادلات. وفقًا لبعض التقديرات، هذا هو الحال بالفعل.
على المنوال نفسه ، تم حظر بعض الكتَّاب الإسرائيليين، وتمَّ إلغاء عروض بعض الفنانين الإسرائيليين. لا يخسر الفنانون الإسرائيليون والكتَّاب الكثير من هذا الحظر الدولي، لكن الضربة النفسية كبيرة – خاصة أن معظم الفنانين الإسرائيليين ينتقدون حكومتهم بشدة.
هل يتغيّر الرأي العام العالمي؟
من غير المرجح أن يتمكن معارضو إسرائيل من تعبئة المستهلكين والشركات. الرأي العام ليس معاديًا لإسرائيل. في استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مارس الماضي بين الأمريكيين، قال 58٪ من المستجيبين أن لإسرائيل أسبابًا مشروعة للقتال ضد حماس. حتى عندما بلغت الخسائر الفلسطينية 32,000 قتيل وفقًا لأرقام حماس، كان عددُ الأمريكيين الذين يرَون أن تعامل إسرائيل مع الحرب مقبولًا أكبر من الذين يرونه غير مقبول.
ولكن الأهم، بين الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا – وهي الفئة العمرية الأكثر احتمالًا للجلوس في مجالس إدارات الجامعات أو شغل مناصب قيادية في الشركات – فبينهم كان الدعم للحرب التي تشنها إسرائيل أعلى بكثير من النسبة العامة للمستجيبين (78٪ مقابل 67٪).
من السابق لأوانه القول ما إذا كانت مذكرة التوقيف ستؤدي إلى تغيير في الرأي العام. لكنها ستعزز بالتأكيد المشاعر المؤيدة للفلسطينيين والمناهضة لإسرائيل التي توجد بالفعل في بعض المجتمعات، وستزيد من حماسها الأخلاقي.
ما هو ممكن، هو أن بعض الشركات قد تكون مترددة في التعامل مع إسرائيل. ولكن العقوبات الرسمية ستكون الأكثر إشكالية. الحكومات – وخاصة الحكومة الأمريكية، بقدرتها على استخدام الدولار لفرض إرادتها في العالم – تملك القدرة على فرض وتنفيذ الإجراءات القسرية.
حتى الآن، ليس لدى إسرائيل ما تخشاه. كان رد الفعل الأوروبي على إعلان خان متباينًا ولكنه لم يكن متحمسًا، وإدارة بايدن احتجت على هذه المذكرات التي تستهدف القادة الإسرائيليين.
الكرة الآن في ملعب إسرائيل، ويبدو أنَّ الآفاق طويلة الأجل لإسرائيل أقل إشراقًا. فبين الشباب الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، يكون الدعم لإسرائيل أقل حماسًا. هم أكثر عددًا في امتلاك آراء إيجابية تجاه الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين. إذا احتفظ الشباب بهذه الآراء مع تقدمهم في العمر ووصولهم إلى مناصب السلطة والنفوذ (وبافتراض أن الديناميكية الإسرائيلية-الفلسطينية تظل كما هي)، فقد تواجه إسرائيل أوقاتًا صعبة.
الواقع أنّ مذكرة التوقيف ضد نتنياهو تثير في الغرب انقسامًا، لذلك فإنَّ الكرة في ملعب إسرائيل. لدى البلاد فرصة لاستعادة مكانتها، ولكن للأسف، لا تملك الحكومة الإسرائيلية الحالية الإرادة ولا الإمكانية للقيام بذلك. إنها محاصرة بمكونها اليميني المتطرف الذي يُحدّد أولوياتها. وبالنسبة لهذا الجناح اليميني المتطرف، فإن رأي بقية العالم غير ذي أهمية.
وخلاصة القول: بدون تغيير الحكومة، ستجد إسرائيل نفسها منبوذة دون حتى محاولة تجنب ذلك.
المقال الأصلي بالانكليزية :
https://bit.ly/3VhsacR