ثقافة ومنوعات

القبضات النّاعمة. قصص كفاح سوريّات

القبضات النّاعمة. قصص كفاح سوريّات

روزيت الفار-عمّان

كتيّب لا يتجاوز عدد صفحاته ال90 صفحة؛ لكنّه كبير فيما يحويه من قصص كفاح طويل لنساء سوريّات كنَّ قد نجحنَ بإقامة مشاريع وأعمال تجاريّة وصناعيّة وفي إنشاء برامج تنمويّة؛ حرصن على أن ترفد تلك المشاريع والبرامج؛ المسيرة الاقتصاديّة للبلد وتعزّز عمليّة تنمية وتثقيف المجتمعات المحلّيّة. كان ذلك على مدى سنواتٍ وعقودٍ طويلة، بذلن خلالها كلَّ غالٍ ونفيس وسخّرن جميع طاقاتهنّ العلميّة والمعرفيّة والفكريّة وإمكاناتهنّ المادّيّة؛ إلى أن تمَّ لهنَّ تحقيق غاياتهنّ العظمى وهي “حتميّة مشاركة المرأة ومساندة الرّجل في النّهوض بالوطن والوصول به لمرحلة الاكتفاء الذّاتي. وبالفعل؛ استطعن جميعاً يداً بيد، تغطية معظم احتياجاته المعيشيّة وبنوعيّة ممتازة وفق مقاييس إنتاج عالميّة؛ مكّن بلدهن سوريا من الّلحاق بركب المنتج العالمي المتقدّم. الأمر الّذي فتح باب التّصدير لدول المنطقة والعالم ومنها فرنسا.

لم يستمر الوضع، للأسف، على ما كان عليه. فقد دخلت البلاد في حالة حرب شرسة تسبّبت في تدمير كلّ ما كان قد تمّ بناؤه. حرب لم توفّر بجنونها أيّاً من البشر أو الحجر. دُمّرت معظم المنشآت الصّناعيّة والمباني التّجاريّة والصّحيّة والأسواق وكافّة محال البيع والشّراء، ومنها ما سوّي بالأرض.

غير أن الرّائدات السّوريّات لم يستسلمن. فقد جعلن من الاستسلام عملاً، وحوّلن اليأس إلى إرادة وأمل، والقنوط إلى إيمان. لقد جعلتهن الحرب يقفن من جديد ويواجهن الصّعب بكلّ عزم. فها هي أسيل التّاجي تعود لترمّم مصنع الألبسة الدّاخلية الّذي تمَّ تدميره بعد سرقة محتوياته، وتعيد بعض مَن كان يعمل به إلى الورشة الجديدة، وهي صالة إنتاج تقع بأطراف دمشق. بالرّغم من استمرار الأزمة؛ غير أنّ أسيل ما زالت وفريق العمل ال170 (بعد أن كانوا 560 عاملاً)، يتابعون عملهم بكلّ جدّ.

أمّا بدور طه، إحدى مؤسّسات لجان سيّدات الأعمال السّوريّة الّتي لها دور كبير في تطوير مسيرة المرأة العربيّة بكافّة المجالات وصاحبة شركة “حنين للألبسة القطنيّة” والّتي أسّستها مع زوجها الّذي تمّ اختطافه ثم قتله، نراها الآن وبعد قصف مصنعهم، تتابع الإنتاج من مصر إلى سوريا ولبنان بهمّة وثبات، لكن ليس بذات المستوى من الشّموليّة.

صديقتنا المُثابرة تسنيم القاسم الّتي جعلت من بيتها تحفة فنّيّة ومكاناً تستقبل فيه نساء بلدها الّلواتي تأثّرن بويلات الحرب لتقدم لهنّ الدّعم النّفسي والمعنوي. تعيش فيه لوحدها في ظلام وبرودة نتيجة انعدام الوقود والكهرباء. تمكّنت تسنيم من تحويل تلك العزلة إلى مكان يضجّ بالحياة، أصبحت الظّلمة في بيتها نوراً والبرودة دفئاً والخوف تحدٍّ ومواجهةفهي تخرج لتكتب على أشجار حديقتها وجدران منزلها: “نحن ثابتون. نحن قادرون على الصّمود بإيماننا بالوطن ورحمة الله”.

تتابع تسنيم تدريس اليوغا لطلاّبها والالتزام بها رغم قساوة الظّروف. تُعلّم طلّابها عدم مشاكسة من يختلف معهم بالرّأي أو الموقف فذلك -حسب اعتقادها- أصل نشأة الحروب، وبأنَّ “الحبَّ غير المشروط للإنسان والأرض والمحيط” يجب أن يكونوا أهمّ الأولويّات.

ومن النّماذج الحلوة، سحر نجمة الّتي كانت تمتلك منشأة Tres Bon التّجاريّة للحلويّات السّوريّة. هي الآن مسؤولة العلاقات العامّة في لجنة سيّدات غرفة تجارة دمشق. تضرّرت شركتها بشكل كبير بسبب القذائف ممّا جعلها تتوقّف عن العمل. لكنّ سحر توجّهت للعمل التّطوعي مبتدئة بقافلة مريم إلى دمشق وحلب بالتّعاون مع جمعيّات ومدارس أبناء وبنات الشّهداء.

تقول سحر بأنّ لا مكافأة لها على حبِّ وطنها وعطائه، وتأمل بأن تزول الغمّة ويحيا الأمل بغد أفضل.

لم تكن سمر رسلان -مالكة الشركات الخمس بمختلف الاختصاصات، من دار للنّشر إلى دعاية وإعلان ولشركات كومبيوتر وأجهزة مكتبيّة وتجهيز مستشفيات- أكثر حظّاً من زميلاتها. حيث طالت يد الحرب جميع ما بنته. لكنّها لم تستسلم وها هي تعمل كرئيسة لجمعيّة تُعنى بمحاربة العنف ضدّ المرأة والعناية بالطّفل.

ليلى الأسطة الّتي فقدت شركتها الخاصّة بمستلزمات الطّفولة. لم تيأس وهي الفنّانة الّتي تعمل بمجال التّصميم الدّاخلي والإعلاني والّتي تحكي بفنّها معاناة شعبها وتنقله بلوحاتها للعالم الخارجي.

الجميلة سمر الأزرق إحدى العضوات في الّلجنة النّسائيّة بغرفة تجارة دمشق والنّاشطة الطّموحة المُنتمية لبلدها الّتي لا تفكّر بمغادرته حتّى بأحلك الظّروف، ستبقى تعمل داخله بكلّ جهد من خلال الجمعيّات الأهليّة والاجتماعيّة كقدوة لبقيّة الشّابّات من بنات جيلها، حاملةً رسالة حبّ الوطن والانتماء له والتّفاني من أجله.

هدى الزّعبي صاحبة القلب الكبير الّتي لم تتخلّ يوماً عن وطنها رغم سنوات الاغتراب في السّويد، وصاحبة المؤسّسة السّياحيّة الّتي عرّفت بواسطتها الغرب عمّا تعاني منه نساء بلدها. وهي النّاشطة الّتي لم توفّر جهداً في دعم ورفد بلدها من خلال عملها بين سوريا والخارج.

كانت السّيدة الأنيقة صونيا خانجي قشيشو، رئيسة لجنة سيّدات الأعمال في غرفة تجارة دمشق والنّاشطة الفاعلة على مستوى سوريا، خلف نشر هذا الكتاب وهي مَن كانت تملك أهمّ معمل لمنتجات Wella الشّهيرة للتّجميل ومستلزماته والّذي ساوته الحرب بالأرض وقضت على جميع محتوياته بعد أن كان ينتج ويزوّد السّوق المحلّي ويصدّر للخارج على مدى عقود طويلة. هي تحاول الآن، بالإضافة لمسؤوليّاتها التّطوّعيّة وعملها في غرفة التّجارة، إعادة الإنتاج بمفردها بعد وفاة والدها المؤسّس للشّركة وهجرة أبنائها.

السّيّدة صونيا سيّدة الأعمال والمجتمع، لا تزال تؤمن كباقي نساء وطنها، بأنّ سوريا كطائر الفينيق ستنهض من جديد.

نعم؛ تستطيع المرأة أن تنهض وتصنع وطناً. هذا غيض من فيض لنساء كُثر مؤمنات بوطنهنّ.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button