الوجود ينفعل بالجود، حضور مذهب أبي العباس السبتي في مواجهة الزلزال

“الوجود ينفعل بالجود” حضور مذهب أبي العباس السبتي في مواجهة الزلزال
أيمن مرابط – الرباط
وسط أجواء الموت المنتشر في سلسلة جبال الأطلس الكبير جراء الزلزال المدمر، تنبعث حياة جديدة بين أهاليها، عنوانها هبة شعبية من كل ربوع المملكة المغربية نحو أقاليم الحوز، تارودانت، ورزازات وأزيلال لنقل كل المساعدات الضرورية وإنقاذ أرواح لامست الموت لكنها لا تزال على قيد الحياة.
خيم، أفرشة وأغطية وملابس ومواد غذائية أساسية ناهزت عشرات الأطنان جمعها مُتطوعون كثر وحُملت في شاحنات ضخمة ومتوسطة وسيارات وحافلات السفر واتجهت من جل المدن المغربية الكبرى نحو المناطق المنكوبة على الفور، في مشهد تضامني شعبي لافت وغير جديد على الشعب المغربي.
مبادرات تضامنية غير مسبوقة عزاها باحثون في المجال الديني بالمغربي إلى وجود عمق ديني راسخ وثابت في ذهنية المجتمع المغربي، أساسها الجود والكرم وقيم نابعة من التراث الديني الصوفي المميز للثقافة الدينية المغربي والتدين المغربي تؤطر وتؤسس لكل السلوكيات المجتمعية العفوية لدى المغاربة.
مدينة سلا..أناس بسطاء وفقراء في مقدمة المتضامنين
“تصلنا مئات الحقائب المملوءة من الملابس طول النهار، وتقوم والدتي وجاراتها بفرزها وإعادة ترتيبها”، هكذا صرح لنا المتطوع محمد مريجان حين دخلنا لمنزله ورأينا غرفه مملوءة بالحقائب، ويضيف لموقع لعبة الأمم أن “المبادرة شعبية بامتياز، بدأها مع جيرانه وأقاربه واتسعت رقعتها في الحي حيث يقطن.
يعيش محمد في أحد الأحياء الشعبية بمدينة سلا، وينحدر من منطقة تارودانت المتضررة من الزلزال، يقول في حديثه “اتصلت بأفراد من عائلتي هناك قرب تارودانت، وحين علمت بما حدث لهم هممت على الفور لإطلاق المبادرة مع الجيران في الحي”، مؤكدا أن “التبرعات تقاطرت على منزلهم بسرعة وفاقت حجم التوقعات الممكنة، واستجابت لها عائلات بسيطة محدودة الدخل ومتوسطة الدخل ومن المحسنين كل حسب استطاعته”.
يفيد المتحدث ذاته أن مجموعات كثيرة من المتطوعين الشباب سارعت للقدوم إلى المنزل لتقديم يد العون لترتيب التبرعات ووضعها الشاحنة التي قاموا باكترائها، مشيرا كذلك إلى “الحاجة الماسة للسيارات والشاحنات المتوسطة لحمل التبرعات وإرسالها من منزله بحي القرية بمدينة سلا إلى قرى إقليم تارودانت المتضررة حيث توجد البلدة التي ينحدر منها.”
آسفي.. قافلة في كل حي سكني.
على بعد حوالي 300كلم جنوبا من سلا، تقع مدينة آسفي على الساحل الأطلسي، انخرطت بدورها بشكل مباشر في الحملة التضامنية الكبيرة منذ اليوم الأول لحدوث الفاجعة، قوافل شاحنات ممتدة لمئات الأمتار على طول شوارع المدينة.
يقود المتطوع أحمد بندويش العبدي وآخرين من أبناء آسفي حملة تبرعات في المدينة، ويروي لنا أن “المبادرة العفوية بدأت في الحي حيث أقطن، ثم انتقلت للأحياء الأخرى بفعل انتشار النداءات عبر صفحات التواصل الاجتماعي والفوري”، مؤكدا هو الآخر في اتصال هاتفي مع موقع لعبة الأمم أن “حجم المساعدات التي وصلتهم في الساحة المركزية للمدينة حيث نقطة التجمع، لم يكن متوقعا بالنسبة لنا، ووصلتنا من مواطنين بسطاء وفقراء قدموا كل ما يملكون لإغاثة إخوانهم المنكوبين”.
توجه المتطوع أحمد مع القافلة نحو إقليم شيشاوة وتحديدا إلى بلدة مزوضة القروية والدواوير التابعة لها وسط الجبال، يصف لنا في حديثه أن “الطريق إلى الأماكن التي قررنا الذهاب إليها كان وعرا للغاية، اضطررنا للتوقف بالشاحنات في نقطة لم تسمح لنا السلطات المحلية بتجاوزها بسبب وضعية الطريق المتضررة”، مردفا أن “الساكنة المحليين ومعهم رجال السلطة بهذه المنطقة لعبوا دورا رئيسيا وكبيرا في إيصال المساعدات عبر الدراجات النارية والسيارات الخفيفة إلى مناطق تضررت بشدة في دواوير مزوضة”.
يشدد نفس المتحدث على “الحاجة الضرورية لدى ساكنة بلدة مزوضة ودواويرها وكل الجماعات المتضررة بإقليم شيشاوة إلى الخيم والأفرشة”، حيث “لا تزال الساكنة بهذه المناطق تبيت في العراء ودرجات الحرارة في الليل بدأت في الانخفاض الحاد منذ أيام”، موضحا إلى “وجود خصاص كبير في الخيم بمدينة آسفي والنداء لشركات النسيج بضرورة الإسراع في توفيرها بشكل عاجل”.
بالجود ينفعل الوجود…مذهب أبي العباس السبتي والمغاربة
“هذا الإجماع الشعبي على التضامن مع ضحايا الزلزال قد يكون غريبا عند البعض خارج المجال الثقافي الديني المغربي، لكنه تحصيل حاصل عند متتبعي مميزات التدين المغربي” يقول الباحث في المجال الديني الأستاذ منتصر حمادة، مشيرا في حديث مع موقع لعبة الأمم إلى أنه “لم يصدر بين ليلة وضحاها وليس مسطرا في قوانين ومواثيق، وإنما يجد أصوله في التراث الإسلامي، مجسدا بما تعج به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وفي نصوص العديد من الأولياء والصلحاء المغاربة”
وأضاف مدير مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث بالرباط أنه “نقول هذا الأمر ونحن نأخذ بعين الاعتبار أن المغرب يوصف أو يلقب بأنه بلد الأولياء”، مردفا أنه “يتميز بالتالي بوجود أرضية تراثية صوفية تركت أثرا صريحا على معالم التدين الإسلامي في المغرب”.
ولفت منتصر حمادة إلى أنه “ما دامت مدينة مراكش قد تعرضت لهذا الحدث الأليم، فإنها اشتهرت للتذكير بأنها مدينة سبعة رجال، وأحد هؤلاء الرجال الصوفية، هو الولي الصالح أبو العباس السبتي الذي اشتهر بمذهب الجود”، مكملا في حديثه أن “الفيلسوف ابن رشد الحفيد، عندما سمع عن شهرة الرجل وأخذ علما بتميزه في الدعوة للإنفاق والتضامن، صدر عنه قول شهير في هذا السياق، جاء فيه أن “هذا رجل مذهبه: الوجود ينفعل بالجود”.
واختتم الباحث المتخصص في المجال الديني بالمغرب بالقول “أننا إزاء مقدمات نظرية تاريخية دينية، تؤسس وتؤطر وتساعدنا في قراءة هذه الفورة المغربية الشعبية في التعاطف والتضامن مع ضحايا الزلزال”.