آخر خبر

قمة افريقيا-فرنسا اليوم: أوهام ماكرون الضائعة

 رومان غراسJEUNE AFRIQUE 

قمة«أفريقيا إلى الأمام» (Africa Forward)، التي تُفتتح اليوم 11 مايو في كينيا، ستكون على الأرجح واحدة من آخر زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أفريقيا. وهي مناسبة ستركّز على الأعمال والاستثمار، وتختتم تسع سنوات من إعادة تشكيل للعلاقة، كانت في جزء منها مفروضة وفي جزء آخر مقصودة.

 في 28 نوفمبر 2017، تقدّم إيمانويل ماكرون إلى منصة المدرج في جامعة جوزيف كي زيربو في واغادوغو. كان نحو 800 طالب قد حضروا للاستماع إلى هذا الرئيس الفرنسي الشاب – الذي لم يكن قد بلغ الأربعين بعد – وهو يلقي أول خطاب له في القارة الأفريقية. أراد ماكرون أن يجعل من هذا الخطاب لحظة تأسيسية لعلاقة أفريقيا مع القوة الاستعمارية السابقة، وبداية فصل جديد يكتبه بنفسه، بوصفه أول رئيس «ينتمي إلى جيل لم يعرف أفريقيا كقارة مستعمَرة».

قال يومها: «لم تعد هناك سياسة أفريقية لفرنسا»، وسط حديث عن الشباب، وقضايا الذاكرة، والابتكار، والاقتصاد. صفق الجمهور، لكن أسلوبه المباشر والصادم أثار الانتباه منذ ذلك الوقت. وعندما سُئل مباشرة بعد الخطاب عن مشكلة انقطاع الكهرباء في بوركينا فاسو، أحال ماكرون الأمر بشكل محرج إلى نظيره روش مارك كريستيان كابوري، الذي كان يغادر القاعة حينها. فقال له الرئيس الفرنسي بنبرة ساخرة قليلًا: «ها هو يغادر… ابقَ هنا!» قبل أن يضيف: «لقد ذهب لإصلاح جهاز التكييف».

أصبحت هذه الحادثة مرتبطة بشكل لا ينفصل عن تلك الزيارة الأولى للقارة، ليس بسبب أثرها الفوري، بل لما كشفته من أسلوب الرئيس الجديد في الإليزيه، الذي كانت خطابات القطيعة والتجديد التي يرفعها تثير آنذاك كثيرًا من التوقعات. وبعد تسع سنوات وحوالي أربعين زيارة إلى أفريقيا، بينما يشارك ماكرون في تنظيم قمة «أفريقيا إلى الأمام» في نيروبي يومي 11 و12 مايو، سيكون حصاد سياسته الأفريقية في قلب النقاش.

أفريقيا الناطقة بالإنجليزية

اختار الرئيس الفرنسي أن يعقد هذا اللقاء الأفريقي الكبير الأخير في كينيا، بعيدًا عن «الحديقة الخلفية» التقليدية لفرنسا في القارة. وبينما يرى البعض في ذلك انسحابًا استراتيجيًا، يفضّل المقربون من ماكرون الحديث عن «استمرارية». ويقول الإليزيه إن هناك «إرادة للمضي حتى النهاية في المسار الذي بدأ في واغادوغو وتسريع تحويل العلاقة مع أفريقيا».

منذ بداية ولايته عام 2017، أعلن ماكرون رغبته في التوجه نحو دول لا تمتلك فرنسا فيها ماضيًا استعماريًا، على أمل إقامة علاقات اقتصادية أوثق وخالية من أعباء الذاكرة الاستعمارية. ويشير المفكر أشيل مبيمبي، الذي أعدّ في أكتوبر 2021 تقريرًا بطلب من الإليزيه حول العلاقة الفرنسية الأفريقية، إلى أن فرنسا تحاول منذ سنوات التوجه نحو أفريقيا الناطقة بالإنجليزية، ولا سيما كينيا وإثيوبيا ونيجيريا، باعتبارها منطقة ذات إمكانات اقتصادية كبيرة تشكل محورًا أساسيًا في الواقعية السياسية الفرنسية.

لكن هذا التوجه، الذي ظل ماكرون يدافع عنه حتى نوفمبر 2024 حين قال إن «أسواق وسكان المستقبل موجودون في نيجيريا لا في الساحل»، لا يخفي واقعًا واضحًا: تراجع النفوذ الفرنسي وإعادة توجيه السياسة الأفريقية الفرنسية بشكل فُرض عليها جزئيًا.

المستنقع في الساحل

يُعدّ الانخراط الفرنسي في منطقة الساحل المثال الأوضح على ذلك. فمنذ وصوله إلى السلطة، اقتنع ماكرون بأن فرنسا، لكي تنجح في تغيير صورتها، يجب أن تتعامل مع قضايا الذاكرة التاريخية. وخلال الأشهر الأولى من رئاسته، توالت الخطوات الرمزية، مثل نشر تقرير سافوا-سار حول إعادة الممتلكات الثقافية الأفريقية، وبدء سياسة تهدئة مع رواندا.

لكن الملف الأمني فرض نفسه سريعًا. فعند انتخابه عام 2017، كان نحو خمسة آلاف جندي من عملية «برخان» لا يزالون منتشرين في أفريقيا. وكانت المخاوف من تمدد الجماعات الجهادية كبيرة، ولذلك حاول الرئيس الفرنسي الخروج من هذا «الفخ» عبر تعزيز مجموعة دول الساحل الخمس، وهو مشروع تأخر كثيرًا في التحقق.

تصاعد التوتر بين باريس ودول المنطقة. وفي يناير 2020، استدعى ماكرون رؤساء بوركينا فاسو ومالي والنيجر وموريتانيا وتشاد إلى مدينة «بو» الفرنسية ليطلب منهم «توضيح» التزامهم في مكافحة الإرهاب. ومرة أخرى، أثار أسلوبه انزعاجًا ورسّخ صورة الأبويّة الفرنسية التي بدأت تتشكل منذ خطاب واغادوغو. وعلى الأرض، استمرت مشاعر العداء للوجود العسكري الفرنسي، خصوصًا لدى الشباب، في التزايد.

بين أغسطس 2020 ويوليو 2023، توالت الانقلابات في الساحل: في مالي (2020 و2021)، وبوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023). وجعلت السلطات العسكرية الجديدة من رفض فرنسا أحد محاور خطابها الأساسي، مع تقارب واضح مع موسكو وتوسيع نشاط مرتزقة «فاغنر».

تحت ضغط هذه الأنظمة الانقلابية، انسحبت باريس تدريجيًا. فبعد مغادرتها مالي عام 2022، ثم بوركينا فاسو بعد أشهر قليلة، انسحب الجيش الفرنسي من النيجر نهاية 2023. وأخيرًا، غادر آخر الجنود الفرنسيين تشاد في يناير 2025 بطلب من نجامينا.

كانت الضربة أكثر مرارة لأن ماكرون كان قد أعلن في فبراير 2023 عزمه «تحويل» طبيعة الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا. وبدل الاعتراف بخسارة النفوذ، فضّل الإليزيه الحديث عن دور «الصف الثاني» القائم على التعاون والتدريب العسكري، مع تقليص أهمية الجانب الأمني المباشر. لكن الانطباع بوجود انتقال غير متحكم فيه بقي واضحًا، الأمر الذي دفع ماكرون في بداية 2025 إلى انتقاد الدول التي «نسيت أن تقول شكرًا» لفرنسا على تدخلها في الساحل.

ويرى الباحث تييري فيركولون من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أن «إيمانويل ماكرون ظل أسير نوع من النزعة الأمنية المتوارثة». ويضيف أن بعض الأخطاء عززت الشعور بأن فرنسا تنتهج سياسة المعايير المزدوجة، خصوصًا في تعاملها مع الأنظمة العسكرية الانقلابية.

«قمة لإعادة التوازن»

كما أن بعض الخيارات الدبلوماسية شوّشت الاستراتيجية الفرنسية. ففي مارس 2023، وبعد خطاب أعلن فيه ماكرون رغبته في جعل فرنسا «بلدًا يفضّل المؤسسات القوية على الرجال المنقذين»، قام بجولة أفريقية شملت الغابون، في وقت كان علي بونغو أونديمبا يسعى فيه لولاية ثالثة، ثم الكونغو حيث التقى دينيس ساسو نغيسو، أحد أقدم رؤساء الدول في القارة.

ويقول فيركولون إن ماكرون حافظ على هذا التناقض: «فهو أراد بناء علاقات مع شباب القارة، لكنه واصل في الوقت نفسه التعامل مع رؤساء يرفضهم هؤلاء الشباب».

في كينيا، سيلتقي ماكرون في 11 مايو نظيره وليام روتو، الذي واجه بدوره احتجاجات قوية في يوليو 2025. ويؤكد الإليزيه أن هذه القمة الأخيرة ستضع الاقتصاد «في صلب المصالح» لمعالجة «الإحباط الناتج عن مغادرة الشركات الفرنسية للقارة»، في ظل تصاعد نفوذ تركيا والصين وقطر والإمارات العربية المتحدة.

حتى لو حاولت باريس التقليل من بعض الإخفاقات، فإن دبلوماسيًا فرنسيًا قال ساخرًا: «ستكون هذه القمة قبل كل شيء فرصة لإعادة التوازن وإنقاذ الموقف».

ويرى أشيل مبيمبي أنه رغم أن الأمور «لم تجرِ كما كان متوقعًا»، فإن عدة ملفات أُطلقت في عهد ماكرون، مثل قضايا الذاكرة، وإعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة، وبناء أجندة مشتركة بشأن المناخ. لكنه يتساءل عمّا سيأتي بعده، مضيفًا أن فرنسا، بعد أن استنزفت الأدوات التي اعتمدت عليها منذ الحقبة الاستعمارية، أصبحت أضعف في سياق تحولت فيه أفريقيا إلى ساحة تنافس دولي مفتوح.

lo3bat elomam

Recent Posts

خطورة التصعيد، قبل الصفقات؟؟

 محمد محمود شحادة في لحظة دولية شديدة الحساسية، عاد الملف الروسي ـ الأوكراني إلى الاشتعال…

4 ساعات ago

لبنان: شروط نهوضه بيد أبنائه

مضر الشيخ ابراهيم( ناشط سياسي ورجل أعمال) بيتُ الجدّ، بكلّ ما تعنيه الكلمة للأبناء والأحفاد،…

يومين ago

العقلانية منهج المواءمة بين الدبلوماسيّة والسلاح

محمد محمود شحادة تُعدّ العقلنة مفهوماً مركزياً في الفكر الإنساني، ومنهجية تقوم على إعمال العقل…

3 أيام ago

الحرب العادلة، والوهم الأميركي الاسرائيلي

 روزيت الفار- الأردن  . جذورها الفلسفيّة. تطوّرها عبر العصور. رأي الفاتيكان والباباوات المعاصرين بها. تباين…

4 أيام ago

نظرية اللعبة، وحاجة ترامب لانهاء الحرب سريعًا

نظريّة اللعبة وراءَ غموض الأهداف الأمريكية في إيران ترجمة : مرح إبراهيم Courrier international يبدو الصّراعُ…

4 أيام ago

La grenade : un fruit ancien au carrefour des cultures. De l’Orient à l’Espagne !

La grenade : un fruit ancien au carrefour des cultures. De l’Orient à l’Espagne ! Nadine…

5 أيام ago