¨طوفان الأقصى”…أبعد من مُجرّد حرب، ماذا عن التقاسم الاستراتيجي؟
أيمن مرابط – الرباط
غداة ذكرى حرب السادس من أكتوبر آخر حرب بين الدول العربية وإسرائيل التي تكاد يتآكلها النسيان بعد مرور نصف قرن عليها، شنت فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لأول مرة في تاريخها هجوما واسعا على الثكنات العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية المجاورة للقطاع.
عملية عسكرية وأمنية معقدة سميت ب “طوفان الأقصى” تمكنت من خلالها كتائب القسام من أسر أعداد كبيرة من الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، وبشراسة غير معهودة تمكنت من قتل المئات معظمهم جنود اشتبكوا معهم خلال عمليات اقتحام المواقع العسكرية أو مستوطنين حملوا السلاح ضد المقاتلين، إضافة لأسر العشرات منهم.
مشاهد وصور غير اعتيادية للجنود الإسرائيليين سواء القتلى أو الأسرى والمعدات العسكرية المستولى عليها تُظهر أن المقاومة الفلسطينية ما عادت حركة مقاومة شعبية كالسابق، بل هي تكاد تكون جيشا منظما له أهداف محددة، وخلقت حالة رعب وتخبط غير مسبوقة في الداخل الإسرائيلي.
ذاكرة الشعوب العربية…مليئة بالمعارك ضد إسرائيل
قد يكون توقيت العملية في السابع من أكتوبر مقصودا من قبل الفصائل الفلسطينية إلى حد كبير، لتأخذ بُعدا تاريخيا عربيا واسعا وإسلاميا أيضا، والأكيد كذلك، أن اختيار يوم السبت وهو يوم عطلة في إسرائيل ونفس يوم السادس أكتوبر 1973 كان مدروسا بعناية، ولا شك أن الفيديوهات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التلفزيوني الدولية أعادت بذاكرة الشعوب المجاورة إلى حروبهم ومعاركهم السابقة مع إسرائيل.
في لبنان، يرى معظم اللبنانيين أن أداء المقاومة الفلسطينية المتطور يشبه مقاومة حزب الله فتُعاد إلى أذهانهم حرب تموز 2006 وحرب التحرير 2000 وعمليات سنوات التسعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وفي مصر لا تزال شريحة كبيرة من المصريين تفتخر بما قام به الجيش المصري في حرب أكتوبر وتؤمن بأن إسرائيل عدو سيزول يوماً ما، أما في سوريا فالاحتلال الإسرائيلي للجولان واستمرار ضربات جوية إسرائيلية مدمرة لقواعد الجيش السوري وحتى مناطق سكنية بين الفينة والأخرى يفيد بأن واقع حرب أكتوبر بين الطرفين لا يزال مستمرا هناك.
اختلفت التفاعلات المليونية في مواقع التواصل الاجتماعي في الدول العربية بين مؤيد للمقاومة الفلسطينية وبين معارض لها وآخر محايد، وبين من جعل العملية المسماة ب “طوفان الأقصى” مادة كوميدية ساخرة من ردة فعل الجيش الإسرائيلي و”الشعب الإسرائيلي” عامة الذي بدا متخبطا في الأيام الأولى لهذه الحرب وبين من اعتبرها من الأساس هي فخ إسرائيلي منصوب للفصائل الفلسطينية لكي تُجهز عليهم إسرائيل بالكامل.
تفاعلات على اختلافها تستحق الدراسة والتحليل الدقيق لها وللأساليب واللغة والمفردات الشائعة فيها، كما أنها تثبت أن ذاكرة الشعوب العربية ليست على صلح تام مع إسرائيل وقد لا تكون عليه في أي وقت قادم، كما أن مدى تقبل هذه الدولة المكتملة الأركان قانونيا في المجتمع الدولي منذ إنشائها قبل سبعة عقود يتضاءل جيلا بعد آخر.
مبادرات السلام واضحة.. ولكن؟
ما تقوم به الفصائل الفلسطينية عند كل جولة هدفه واضح ومحدد هو تحرير الأراضي من الاحتلال الإسرائيلي، خاصة أراضي 67 التي من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية المراد إقامتها وفق اتفاق أوسلو 1993 ومبادرة السلام العربية 2002، وهي تُعد حسب جل المواثيق الدولية حركات تحرر من الاستعمار، وملف القضية في الأمم المتحدة هو في اللجنة الرابعة المعنية بإنهاء الاستعمار.
لابد في هذا السياق من الإشارة إلى أن معظم الدول العربية والإسلامية بما فيها التي تصف إسرائيل ب “العدو” لا تخرج سياسيا ودبلوماسيا ودوليا عن إطار المبادرة العربية للسلام التي اقترحتها السعودية بقمة بيروت العربية سنة 2002، وتفيد بأن السلام يتحقق بمجرد إنهاء احتلال إسرائيل لأراضي 67 وإقامة دولة فلسطين عاصمتها القدس الشرقية، وهضبة الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية.
لو تحققت مبادرات السلام الدولية فعليا على أرض الواقع، فإنه لن يبقى أي دافع لدى أطراف الصراع للقيام بحرب، لكن إسرائيل تريد الاحتفاظ بدوافع الحرب لنفسها لأسباب عقدية دينية من جهة، وجيوسياسية استراتيجية من جهة أخرى عبر عدم القبول بأي اتفاق أو مبادرة إلا إذا كان وفق شروطها ورؤيتها الجيوسياسية للمنطقة، كما أن شرعية بقائها واستمرار قدوم الجاليات اليهودية من العالم قائمة على أنها مهددة من الأعداء.
في المقابل، خصوم إسرائيل في المنطقة أولهم إيران لن تقبل بحل الصراع دون الخروج بمكاسب سياسية في المنطقة تسمح لها بالاحتفاظ بالأدوار الحالية التي تلعبها مع شركائها من الفصائل الفلسطينية وحزب الله في لبنان والدولة السورية، واستمرار حالة العداء بينهم وبين إسرائيل يعني استمرار لعب الأدوار، وبالتالي نكون أمام معادلة كل طرف يحتاج لعدوه.
على مستوى الجغرافيا، ترى إسرائيل أن إقامة الدولة الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة سيسبب لها مشاكل حدودية جمة، ووجود شواطئ بحرية لدى فلسطين يعني تمتعها بحدود بحرية في البحر المتوسط ما سيحرم إسرائيل من خط بحري طوله على البر يناهز 50 كلم و200 ميل بحري في عرض البحر ويصبح حقا فلسطينيا مضمونا وفق قانون البحار الدولي، ودخولها في مفاوضات على الحدود البحرية ستكون أعقد من نظيرتيها مع لبنان ومصر.
كذلك، تخشى إسرائيل الدولة الفلسطينية في حال إقامتها وفق اتفاق السلام، من شكلها الاجتماعي وتوجهها السياسي الدولي، خاصة إذا تمتعت بالحقوق السياسية الكاملة ونجحت الحركات الإسلامية في استلام السلطة وفق انتخابات “ديمقراطية” وتحالفت مع خصومها وخصوم حلفائها، وبالتالي فهي تسعى لإقامة دولة ضعيفة سياسيا وأمنيا تستطيع التحكم في خياراتها، ولم لا تكون طائفية تتعارك داخلها الأطياف السياسية والدينية المسلمة والمسيحية على السلطة.
طموحات جيوسياسية وراء الصراع
يعد موقع “إسرائيل” في أقصى شرق حوض المتوسط بالغ الأهمية الجيوسياسية لها ولحلفائها على رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا وحلف الناتو، وهي تطمح من خلاله إلى السيطرة التامة على هذا الحوض دون أية مشاكل مع الدول المجاورة لها، حتى تتمكن أساطيلها البحرية من التحرك أكثر نحو منافذ بحرية أوسع.
يسمح موقعها الجغرافي كذلك للحلفاء خاصة حلف الناتو بالإشراف التام على الشرق الأوسط بحريا، وهو ما يعني مزاحمة الخصوم روسيا بدرجة أولى وتركيا بدرجة ثانية وآخرين محتملين، فالروس الذين فتحوا منافذهم عبر أوكرانيا نحو المتوسط بالقوة، ويمتلكون قاعدة بحرية في طرطوس السورية لا يمكن أن يُسمح لهم بالتحرك بحرية في هذا المجال الواسع جغرافيا، والأمر ذاته بشأن تركيا التي تمتلك مفاتيح بحرية مهمة في المنطقة ورغم عضويتها في الناتو فهي تلعب على الحبلين الروسي والغربي.
وتفيد عدة تقارير صادرة عن المؤسسات البحثية الإسرائيلية أنها تطمح لبناء قناة مائية على غرار قناة السويس من خليج العقبة عبر صحراء النقب إلى بحر المتوسط، وهذا الطموح يستوجب ضم قطاع غزة بالكامل لها، ما سيمكنها من لعب أدوار استراتيجية أكبر وأوسع في المنطقة، بينما سيكون مستقبل سكان هذا القطاع هو التهجير أو البقاء على غرار “عرب 48” أو ما يسمى ب “عرب إسرائيل”.
إضافة إلى ذلك، فإن “إسرائيل” تشكل ممرا مهما لخطوط الغاز البديلة التي قد تُنشأ مستقبلا وتربط بين دول الخليج وأوروبا مرورا عبر “أراضيها” كبدائل عن الغاز الروسي، وذلك في حال تمكنت من عقد اتفاقيات سلام دائم وفق رؤيتها الأحادية، وأقامت علاقات ثنائية واسعة مع دول الخليج خاصة المملكة السعودية.
سيناريوهات من الصراع في المستقبل
تشكل ضربة السابع من أكتوبر صدمة حقيقية لدى الداخل الإسرائيلي، وهي وإن كانت حسب بعض الافتراضات فخا منصوبا للفصائل الفلسطينية لاستدراجها خارج قطاع غزة واقتحامه بعد ذلك واحتلاله تحت مبررات جاهزة، فإن نتائجها وحجم خسائر “الفخ المزعوم” لم تكن متوقعة، وتحمل دلالات معقدة تُنذر برسم معالم جديدة للصراع.
كما أن استمرار المعارك ضد الفصائل الفلسطينية بات يشكل تهديدا وجوديا في الداخل الإسرائيلي، بات من الضروري التعامل معه بتصعيد عسكري غير مسبوق لسحق هذه الفصائل الفلسطينية داخل قطاع غزة وتدمير قدراتها الدفاعية بالكامل، وبعد ذلك ترحيل مقاتليها وقياداتها إلى الخارج مثلما حدث مع حركة فتح ومنظمة التحرير سنة 1982 إبان اجتياح لبنان.
يبقى السؤال حول مستقبل هذه الجولة الحاسمة من الصراع المستمر لعقود من الزمن، هو هل ستتمكن الجبهة الداخلية الإسرائيلية من الصمود أمام ردود الفعل الفلسطينية التي ما عاد نطاقها يشمل قطاع غزة فقط بل امتد إلى جنوب لبنان وسوريا، وقد يأتي من الأردن، كما أنه غير مستبعد أن يكون في بلد آخر ضد مصالحها، وهل يستطيع المواطن “الإسرائيلي” القادم من بلد آخر تحمل كلفة العيش في ظل الحرب التي باتت تهدد حياته أكثر من أي وقت مضى؟.
يبدو أن ما ستحمله الأيام القادمة سيخلق حالة جديدة في أعقد صراع بمنطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا والعالم، لن تكون إلا في صالح المنتصر من هذه الجولة التي تدخل فيها حلفاء إسرائيل بشكل مباشر فيها مقابل خجل عربي غير مستغرب، وسنكون فعلا أمام سيناريو الشرق الأوسط الجديد إما على طريقة إسرائيلية أمريكية أطلسية أو فلسطينية عربية شرقية وإيرانية قد تنضم في رسم معالمها روسيا والصين، والطوفان الحالي إما يجرف طرفا واحدا من المنطقة أو يجرف الجميع مرة واحدة.
أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…
Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…
سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…
Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…
مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…
سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…