مقال اليوم

في طريقه إلى المغرب..ماكرون يتسرع.. ويتيه.

في طريقه إلى المغرب… السيّد ماكرون يتسرّع… ويتيه.

طالع السعود الأطلسي *

يحدُث اليوم في فرنسا، وفي الدولة الفرنسية خاصّة ما هو غير مفهوم، لأنّه غير مألوف وغير مقبول… دولة ذلك البلد عريقةٌ، بل إنّ دستورها يُعتمد مرجعا لدساتير دول عديدة في العالم… وتاريخها أيضا… إنها دولة الأنوار، الفكرية والسياسية… إنّها فرنسا بعاصمتِها باريس، مدينة الأنوار… وفي خلفية أساساتها مبادئ الثورة الفرنسية… تبدو الدولة الفرنسية اليوم، كما لو أنّها “ضيّعت الشّمال”… وضيّعت رصيدها وتُراثها ومرجعيتها المؤسّساتية في تشكّل الدول الحديثة… ومن مواصفات الدولة الحديثة، رزانتُها وحصانة قراراتها عن التسرُّع وعن العبث… فضلا عن احترامها لتقاليد مرعيّة في علاقات الدولة مع شعبها ومع دول علاقاتها الخارجية.

لعل الدولة الفرنسية قرّرت، ودون الإعلان عن ذلك، خُطّة مدقّقة المراحل، وللدِّقة مُتسلسلة الأخطاء، مع المغرب، وبما لا يتناسب مع ما نحمله من صورة راقية عنها … إذ لا يُمكن تفسيرُ التّخبُّط وسوء التقدير في سلوكاتها إزاء المغرب، بغيْر ذلك… لنْ يصدِّق عاقل، وبالأحرى مُحلِّلٌ سياسي، أن تتوالى تلك الأخطاء في سياق مُجرد زلَّات وأخطاء عفوية…

سبق وكتبتُ في مقال سابق، بأن السيّد ماكرون، منتوج بنك روتشليد، لإدارة تصدُّعات وشروخ المجتمع الفرنسي، وجد نفسه وبمنهج مصرفي غَلط، يتعاطى مع القضايا الخارجية للدّولة الفرنسية… بمنطق الرِّبح الآني والفائدة الفوْرية… للأسف، لم أخطئ فيما ذهبتُ إليه… ولي في تصرُّفات الدولة الفرنسية ما يُعزِّز ظنّي…

هل يُعقل، في دولة محترمة، أن يُعلَن عن زيارة رئيس دولة إلى دولة أخرى بدون موَافقات وترتيبات وإجراءات واتِّفاقات على بروتوكولات، مع تلك الدولة… لقد حدث ذلك مع الدولة الفرنسية، عبر إعلان وزيرة الخارجية الفرنسية، عن زيارة قريبة للرئيس الفرنسي السيد إمانويل ماكرون إلى المغرب… ودون موافقة المغرب وتعبيره عن استعداده لاستقباله، وخاصة استقبال الملك محمد السادس لرئيس الدولة الفرنسية… بكل ما يستدعيه ذلك من ترتيبات بروتوكولية وسياسية، تحسب وتعد بالإشارات وبالميلمترات وبالمفردات وبالمعاني… مصدرٌ رسمي مغربي، عبر وكالة الأنباء المغربية، سفّه البلاغ الفرنسي، بنفي أيّ إعداد لزيارة السيد ماكرون للمغرب… واسْتغرب المصدر المغربيُّ “مبادرة” الوزيرة الفرنسية بالإعلان عن “الزيارة غير المبرمجة”… هل معنى هذا أن الرئاسة الفرنسية تستعجل “مُصالحة” مع المغرب، بزيارة السيد ماكرون للرباط، ولو غير مبرمجة… ولنقل، مُتوَسَّلة ومرغوبة، عبر الهواء ووسائط الإعلام، دون اللجوء إلى المساطر الديبلوماسية المتعارف عليها…

قبل هذه الزَّلَّة الديبلوماسية، توَجَّه السيد إمانويل ماكرون في شريط فيديو، إلى المغاربة، مباشرة، لكأنهم مجرد سكان مُقاطعة فرنسية تابعة لسيادته، بخطاب لرَفْع معنوياتهم… وربما لم يقل أحدٌ للسيد الرئيس أن للمغاربة ملكًا، وهو ملك بجدارة ملكية تاريخية، وأن أولئك المغاربة لا يحتفون ولا يقدّرون ولا يعتبرون، إلا خطابات وتوجيهات ملكهم المسجل اسمه، ناصعا، في التاريخ… محمد السادس… تلك كانت سَقْطة سياسية، أخرى، لرئيس دولة فرنسا، إزاء المغرب ملك المغرب.

ستحتاج الدولة الفرنسية لمجهودات كبُرى لتدقيق صورة المغرب، في حقيقتها وفي ممكّناتها، هي غير ما في الذهنية الاستعمارية العالقة، بمرجعية قرارها السياسي…

المغرب مغايرٌ لما هو في الأرشيف الاستعماري الفرنسي… مُستقل وقوي ومفيد لذاته، وكفيل بها… وبتلك المقوِّمات هو نافع لجواره ولعلاقاته وللمسعى العالمي للتقدم وللسلام… وللأسف الدولة الفرنسية بتخبُّط سلوكها السياسي، واضح أنها تُضيّع الجنوب، الذي كان لها فيه نفوذ، بعد أن “ضيعت الشمال”، في اشتباكات أوضاعها الداخلية وأيضا في تعقيدات علاقاتها الخارجية… ولا أجرؤ على التفاخر، بأن الدولة المغربية بثباتها تربك دولة فرنسا في محاولاتها امتلاك بوصلة تاريخية لسياساتها الخارجية….

طالع السعود الأطلسي: كاتب وسياسي مغربي

lo3bat elomam

Recent Posts

إبادة شجرة الزيتون العربية لاقامة إسرائيل الكبرى

سامي كليب كم يلزم من الوقت لاقتلاع شجرة زيتون؟ دقائق احيانًا، أما تعويضها فإن عمر…

3 أيام ago

Le métro parisien. Quand les stations racontent l’Histoire

Le métro parisien. Quand les stations racontent l’Histoire Nadine Sayegh – Paris      …

6 أيام ago

هل يتفق ترامب مع الصين وروسيا ضد إيران واوكرانيا

هل يمكن أن يصبح الديزل الروسي جسراً اضافيًّا بين واشنطن وموسكو فيساعد الرئيس ترامب قبل…

أسبوع واحد ago

ترامب يعد بنهاية الحرب… والحوثيون يوسّعون دائرة النار

بين وعد ترامب بإنهاء الحرب قريباً والاستعدادات العسكرية الأميركية الإسرائيلية، يرفع التصعيد الحوثي كلفة المواجهة.…

أسبوع واحد ago

كيف تحمي دول الخليج نفسها من الحرب المقبلة؟

مع عودة قرع طبول الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، رغم…

أسبوعين ago

Le champignon, un trésor caché entre les mondes

Le champignon, un trésor caché entre les mondes Nadine Sayegh - Paris      …

أسبوعين ago