آخر خبرمقال اليوم

    لُبنان وسورية أم إيران بعد غزة؟  

هل دخول إيران على الخط يفيد الفلسطينيين أم يضرّهم؟

     سامي كليب: هل يكون لبنان وسورية أهدافاً في إنزلاقات الحرب المُقبلة بعد غزّة، أم تنتقل الأمور الى ما هو أخطر في خلال حرب إسرائيلية إيرانية أوسع؟  محاولة للإجابة أدناه: 

كل شيء بات جاهزاً للحرب الكُبرى رغم كل التطمينات والمهدئات الغريبة التي يُطلقها البعض محليّاً وإقليمياً ودولياً، لكن أفق هذه الحرب واحتمالات تدحرجها على مستوى المنطقة والاسئلة المتعلّقة بإمكانية عقد صفقة بعدها، ما زالت عوائق كبيرة قبل إقدام أي طرف على المغامرة بإطلاق الرصاصة الأولى.

ربما من الخطأ تماماً الاعتقاد بأن ما نشاهده اليوم في غزّة ليس جديدا، وأنها معركة أخرى بين حروب كثيرة سابقة ومقبلة. بينما الواقع يؤكد 4 أمور جوهرية على الأقل: أولها أن أبناء فلسطين لم يكلّوا ولن يمّلوا في مواجهة المُحتلّ مهما تغيّرت الأحوال، وثانيها أن الفصائل المُقاتلة باتت تمتلك قدرات صاروخية مغايرة تماما لما كان حالها سابقا ( رغم استمرار عدم تناسب ما لديها مع القدرات الهائلة لعدوها)، وثالثُها أن ثمة ربطاً واضحا بين الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في الداخل والإطار العام في الخارج بحيث أن كل طرف يُريد أن يوجّه رسائل داخلية وخارجية متعدّدة، ورابعها أن هذه الحرب تجري في ظروف إقليمية ودولية مضطربة جدا ومختلفة تماما عن الماضي القريب.  

كان لافتا اليوم مثلاً، أي في اليوم الثاني للعدوان الإسرائيلي على غزّة، والمرشّح للتفاقم أكثر، دخول إيران على الخط بشكل تهديدي، حيث قال قائد “قوة القدس” في حرس الثورة الإسلامي العميد إسماعيل قآني: “إن أبناء جبهة المقاومة يخططون لتوجيه الضربة الأخيرة للكيان الصهيوني في الوقت الملائم، وبالقضاء على هذا الكيان المزيف سيُحقق أمل الإمام الخميني بمحو إسرائيل من الخريطة”. كذلك قال قائد حرس الثورة الإيراني اللواء حسين سلامي:” إن لدى لبنان الآن أكثر من 100 ألف صاروخ جاهزة لفتح جحيم النار على الصهاينة، وأن أميركا حزمت امتعتها، وهي حاليا تخرج من المنطقة بعد أن فقدت سيطرتها عليها”.

غالبا ما يُثيرُ دخول أيران على مثل هذا الخط جدلاً كبيرا وتنقسم الآراء بشكل حاد، فيقول البعض إنها بدعمها تُساعد الفلسطينيين وتُقلق الإسرائيليين ليخففوا ضغطهم وانها دعمت الفصائل ماليا وعسكريا، بينما يرى البعض الآخر أن هكذا تصريحات تُعطي إسرائيل ذريعة أكبر لكي تتحدث عن تهديد وجودي ضدها وتوسّع بالتالي عدوانها وتحصل على دعم دولي أكبر، وإن إيران تفيدُ من حروب فلسطين وغيرها من دول الإقليم لتحسين مواقعها خصوصا في هذه الفترة من شد الحبال التفاوضي مع أميركا والغرب بشأن الاتفاق النووي. 

بغض النظر عن هذا الجدل، فإن واقع الصراع اليوم اختلف تماما عمّا كان سابقاً، ذلك أن ثمة رغبة إيرانية واضحة بربط جبهات المحور ربطا دقيقاً بقيادتها، وهذا أمرٌ يحتمل اتجاهين، الأول استعدادٌ عسكري وتكنولوجي وعقائدي لحرب فعلية كُبرى قد تكون واسعة جدّاً ومُدمّرة جدّاً، ويشتبك فيها الإيراني وحلفاؤه  مع الإسرائيلي وداعميه الدوليين وربما الإقليميين ، والثاني يجعل طهران في موقع أقوى لأي تفاوض دولي وإقليمي على أساس أنها تملك فعليا الكثير من الأوراق الأمنية والسياسية من طهران والعراق ودمشق الى صنعاء وبيروت وفلسطين. ( يجب أن نستعيد مثلا تصريحات قادة حماس الأخيرة من قلب بيروت ومحاولة إعادة ربط العلاقة بين حماس ودمشق ناهيك عن الدعم المادي).

خطورة الأمر الآن، هو أن المشهد الدولي مُعقّد جدا، فالشرخ يكبُر بين الغرب بقيادة أميركا من جهة والصين وروسيا وحلفائهما من جهة، وقد تشابكت المصالح الاقتصادية والحاجات للغاز والنفط، مع التنافس التكنولوجي الكبير، مع البحث عن أسواق وثروات جديدة ومعابر بحرية وبريّة مُغايرة، حتى بات كلُّ طرف أو محور دولي أو إقليمي بحاجة الى حلفاء حقيقيين لاستكمال مشروعه وتطويق مشاريع خصمه.

أمام هذا الانقسام الحاد، من الصعب التفكير بصفقات تحظى برعاية دولية، ذلك ان الاتفاقات الدولية باتت شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة وربما لسنوات طويلة مُقبلة. ولا شك أن إيران ومحورها من جهة، وإسرائيل وحلفاءها من جهة ثانية يقفان على شفير هذا الانقسام الحاد، ما يعني أن الارتطام الكبير قادمٌ عاجلاً أم آجلاً، الاّ إذا حصلت مُعجزة، ذلك ان الجانب العقائدي والديني بين الجانبين ليس بالأمر العابر، وربما كل طرف يعتقد أن الفرصة متاحة الآن لتدمير الآخر لأسباب عسكرية، ولكن وخصوصا عقائدية أيضا.

لكن السؤال الحقيقي المطروح حالياً بانتظار حرب كُبرى وارتطام واسع أو معجزة صفقة وتفاهمات، هل سيبقى لُبنان وسوريا بمنأى فعلا عن تدهور عسكري في مواجهة إسرائيل؟ على الأرجح لا، إذا ما استندنا الى الوقائع لا الى الأوهام وحبوب المُهدّئات، ولا شك أن إسرائيل وحزب الله يعرفان ذلك تماما ويستعدان لذلك تماما.

إنطلاقا مما تقدّم، فإن الحرب التي تشنّها اسرائيل منذ يومين على غزّة، تحمل بين طيّاتها رسائل كثيرة في هذه الأوقات الحرجة، فإسرائيل التي تتخبط في الداخل سياسيا والتي تحتمل المواجهة مع ايران بسبب النووي ومع حزب الله بسبب حقل كاريش والتي صار شعبُها يطرح أسئلة كثيرة حول مستقبله الأمني خصوصا الحدودي، تُريد أن تُبرهن عن قدرات عسكرية على حساب الشعب الفلسطيني في القطاع المُحاصر والصامد ضدها، والفصائل المُقاتلة من جهتها خصوصا الاسلامية العقيدة بينها تُريد أن تبعث برسائل الى الداخل والخارج بأن واقعها اليوم مُغاير تماما لما كان سابقا وأنها ما زالت سيدة الموقف، ذلك أن ثمة بحثا بقي بعيدا عن الأضواء لاجراء تبديلات سياسية فلسطينية داخلية تضع حركة حماس في موقع القيادة الأول، وهو أمر لا تستسيغه اسرائيل وأطراف فلسطينية داخلية ولكن أيضا دول عربية وغربية عديدة. 

لكل ما تقدم تبدو حرب غزّة الحالية مُغايرة لكل ما حصل سابقا، وليس غريبا أن تشهد انعطافات أمنية أكثر خطورة على أهل القطاع ولكن أيضا على عدوهم الذي يعتقد أنه بالقتل يستطيع كسر إرادة شعب يُريد فقط دولة وأرضة وكرامة. فكيفية حسم هذه المعركة سيحدد الكثير لأحد الطرفين 

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button