آخر خبرافتتاحية

    العشقُ أقوى من الثوّار والدكتاتوريين

سامي كليب

كيف لثائر بحجم فلاديمير ايليتش  أوليانوف المعروف باسم لينين مُفجّر الثورة البشلفية في روسيا والغارق بالقراءات السياسية والفكرية والفلسفية والمعروف بقسوته العاطفية ، أن يهيمَ بالعشق ويدقّ قلبُه بنبض المراهقين حين التقى بحبيبته؟ هذه واحدةٌ من قصصٍ كثيرة نشرتها مجلة “التاريخ” الفرنسية في عددٍ خصّصته لحياة من وصفتهم ب” الدكتاتوريين” وكشفت فيه عدداً من أسرار حيواتهم الخاصة المتعلقة بالنساء والمطبخ والأولاد وغير ذلك من مواضيع بقيت بعيدة عن الأضواء.

أول ما يتبادر الى ذهن القارئ بعد الاطلاع على مثل هذه الأسرار الحميمة، هي كيفية ذاك المزج العجيب بين حياة صاخبة بالثورة أو الدكتاتورية أو الدماء، وأُخرى زاخرة بالأحاسيس المُرهفة والعشق المسموح أو الممنوع والذي يتخطى في الكثير من جوانبه خطوطاً حمراء.

ثمة فرقٌ كبير بين زعيمٍ، أو رئيس أو ملك أو دكتاتور يتفنّن بجمع النساء لغايات جنسية، كما كان حالُ الخليلاتِ في العصور الغابرة شرقاً وغربا، وبين قائدٍ يهيمُ بفتاةٍ واحدة، فتصبحُ محورَ حياتِه العاطفية، وتُنعشُ قلباً نامَ طويلا.

من هذه القصص نقرأ مثلا أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ كان يعشق جمع النساء لغايات جنسية، وكانت لديه ألف مغامرة ومغامرة، وان هتلر الذي كان أحبّ إيفا براون، كان يتلقى مئات الرسائل يومياً من فتياتٍ ونساء عاشقات، وهو أعجب بابنة شقيقته فانتحرت بسببه عن عمر 17 عاما وهو كان في عمر 36 عاماً، وكان يستسيغ أن تضربه المرأة قبل ممارسة الجنس معها،  تماما كما انتحرت الزوجة الأولى لستالين والذي كان قاسياً مع النساء كقسوته حيال شعبه الاّ أنه عرفَ العشق أيضا ولم يكن يهتم كثيرا بالعلاقات الجسدية كي لا تحرفه عن اهتمامه بالسياسة، أما موسوليني فبقي يعتني بجسده الرياضي لإغراء النساء لكنه كان سريع الضجر فلا تستمر علاقاته طويلا.

غير أن القصة الأجمل تبقى تلك التي ربطت لينين مُنظّر الثورة البلشفية ومفجّرها (1917) مع إيناس أرمان السيدة الفرنسية-الروسية وابنة العائلة الارستقراطية ، رغم انه كان متزوّجا. يقول القيادي الاشتراكي الفرنسي شارل رابوبور الذي عرف القائد الشيوعي عن قرب :” لم يكن لينين قادرا على غضِّ عينيه الصغيرتين عن تلك الفتاة التي عشقها” فهو الذي كان غارقاً حتى اذنيه بالقراءة والسياسة ولا يعير النساء اهتماما سُرعان ما تحوّل الى عاشقٍ رقيق وهائم بمعشوقته.

كانت إيناس النقيض تماما لزوجته، فهي كانت جميلة تلمع عيناها فرحا، وينسدل شعرُها الكستنائي اللامع على كتفيها ، كانت كُتلة من الحيوية والفرح وحشرية المعرفة وعازفة بيانو، بينما زوجته التي وقفت الى جانبه طويلا غالبا ما كانت متشّحة بالأسود وكئيبة. لم يكن لينين شاباً جميلا، لكنه شعلة من ذكاء وثقافة وسرعة بديهة فلم يكن ثمة مهربٌ من أن تُغرم به أيما غرام. كتب في مذكّراته:” إني ما زلتُ عاشقاً لماركس وإنجلز، لكن الحب هو فوقَ كلّ شيء”.

هو كان ثائرا على القصير وأسقطه، وهي ثارت على العادات الاجتماعية والملل، فقد كانت متزوّجة قبل لينين وكان لديها 4 أولاد، لكنها كانت توّاقة لتغيير كل شيء، وراحت تُلتقي سرّاً بناشطين ضد القيصر، لا بل هربت من منزلها الزوجي مع شقيق زوجها ولم يكن قد بلغ من العمر 17 عاما مُفجّرة فضيحة كُبرى.  

لم يكن لينين الذي كان في الحادية والأربعين من العُمر آنذاك، قادراً على الابتعاد عن حبيبته إيناس التي كانت في الخامسة والثلاثين لكنها تبدو أصغر بعشر سنوات وفق العديد من المؤرخين، أبقاها الى جانبه، أسكنها بجوار عائلته، وظّفها في المعهد الذي أنشأه في منفاه الفرنسي لتدريب العملاء السرييّن في فترة الاعداد لتفجير الثورة وكان يذهب كلّ يوم يجلس في الصفوف الأمامية لمشاهدتِها تُلقي الدروس، وحين عاد الى بلاده، عاملها كأعضاء المكتب السياسي للحزب، فكان لها هاتفها السرّي الخاص كما لهم، ولو ابتعد عنها قليلا، فقد كانا يُمضيان ساعات طويلة في المحادثات الهاتفية.

كان لينين مُحافظاً اجتماعيا، لم يشأ الطلاق من زوجته، وربما كان عرفانُه بفضلها عليه ووقوفها الى جانبه، أموراً تمنعه من الطلاق، رتّب حياته بين عائلته وحبيبته التي كانت بطبيعة الحال تحلُم بالزواج منه، امضيا وقتاً طويلاً في العشق والعطاء وحبّ الحياة.  لا هو تغيّر ولا هي خذلته، وما كانت تكتبه له في رسائلها كانت يختلف تماما عن كل ما تقوله العاشقات، قد يكون امراً بسيطا من نوع :” قلبّي دقّ سريعا وودت ان اقبلك لكني ما كنت سأسمح لنفسي بأن أفتح باب مكتبِك وأدخل”، وقد ينتقل الى عمق مفاهيم الحياة وجوهرِها، لعلّه أحبّ عقلها وحيويتها بقدر ما تعلّق بجمالها، فغالباً ما يخبو الجمال لو صار هو القضية، او لو صار التواصل مُجرّد رفع عتب.  

لا شك أن عدم الزواج هو الذي جعلَ الحبّ يخبو شيئا فشيئاً، ليس لمُجرّد الزواج، ولكن إيناس أرادت ان تُصبح علانية حبيبة لينين، خصوصا انه كان ميّالاً الى السريّة في علاقاته الخاصة ولا يتحدث عنها، ولم تُعرف تفاصيلُ قصتهما الا بعد مرور 70 عاما.

حين بدأ الحبّ يخبو، والقلق يحتلّ مكانا أوسع، ذهبت إيناس للعيش قليلا في القوقاز بالاتفاق مع لينين كي تجد بعض طمأنينة الروح، لكنها أصيبت بالكوليرا وتوفيّت قبل عامين من رحيله هو الآخر عن هذه الدُنيا. كتبت له في آخر رسائلها:” إني عشقتُك عميقاً، لكن قلبي الآن صار ميتا كجُثّة حيّة”… يقال ان قلبَ لينين تحوّل بعدها هو الآخر الى جثة، وما بقي فيه من روح إنما كان ليحفظ ذكراها…  

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button