الأكثرية الساحقة، تسحق مَن بالضبط؟

محمد الشيخ -المانيا

كثيراً ما نصادف مصطلح ” الأكثرية الساحقة ” وخصوصاً في الحياة السياسية ، و المجتمعية ، و لكن لو تأمَّلنا قليلاً بكلمة ” ساحقة ” ، ماذا تُحرِّك في الوعي الجمعي لهذهِ الأكثرية العددية ؟ 

إنها مُصَمَّمة لسحقِ الأقلِّيات ، لسحقِ المعارضة ، لسحقِ المبدعين الخارجين عن المألوف
والوحيدين هناك ،  المُنزوين بعيداً عن القطيع ….
أنا شخصياً أنصحُ الأكثريةَ ” الساحقة ” أنْ لا تتباهى بهذهِ الصفة ، أقصد صفة السحق ، لأنَّ هذا يؤكد المؤكَّد أنَّ البشريةَ لم تغادرْ الغابةَ قط ، بل أنَّها صنعت لنفسها غابةً أخرى أكثر توحُّشاً و تعقيداً .. حيثُ البشر يقتلونَ الحيوانات ليأكلوا لحومها و يقتلونَ بعضهم لكي يدخلوا الجنة !
اختراع المظلة
الأعمال العظيمة قامت دائما ً على أكتاف المضطهدين المجانين المنبوذين .. لم يكن يوما للأكثرية دور في التاريخ سوى الهمجية و التخريب ، و من ألطف العبارات التي نألفها أن السياسة هي “فن الممكن” ، و لكن لا أحد يجرؤ أن يعري السياسة ليقول بأنها فن ترويض الأكثرية حيناً و فن إفلات العقال لها حيناً آخر ..
إنها الأكثرية أيتها السيدات و السادة
يقال بأن الذي اخترع أول مظلة في التاريخ لتقيه من المطر ، مشى بها في الشارع وسط السخرية و الازدراء و التصفير من المارة و نال من الإهانات ما لا يقبله عقل و لكن في النهاية تعودت الأكثرية على حمل المظلات و المشي بها في الشوارع تحت المطر …
حتى في قصص الأنبياء .. فعلت الأكثرية الأفاعيل بهم من تنكيل و سخرية و محاولات القتل و قد نجح بعضها فلا يجادلني أحد بأن من صلبوا المسيح لم يكون أكثرية ذلك الزمان ….
إنَّ أسوأَ أنواعِ الأكثرية ، هو الأكثرية الساحقة ، و التي غالباً ما تكون مؤدلجة و مسلَّحة و نَهِمَة بفضلِ تعدادها للوصولِ إلى السلطة ، كي ” تسحق ” الآخرين !
ببساطة لأنَّها أكثرية ساحقة..
بالمناسبة : المدخنون أكثرية ساحقة ، فهل يجب أن يحكم البلد شخص مدخن ؟
اللصوص ، أكثرية ، فهل يحكم البلد لص محترف ؟
الذباب ، أكثرية ، فهل نحتكم للذباب الحائم حول موائد الفقراء ؟
الجراثيم أكثرية ، فهل تستلم السلطة جرثومة مثلاً ؟
الطائفيون و الحمقى .. المتطرِّفون ، الأغلبية الغبية ، الغوغائيون  ..كلهم أكثرية !
و هي فعلا أكثرية ساحقة ، تسحقُ الجميع بلحظةٍ من لحظاتِ الانفلاتِ الأمني و الهياج الجماعي .. هؤلاء هم لصوص المتاحف ..هؤلاء هم مُطلقوا النار في الأعياد لتتحوَّلَ إلى مآتم و يتحوَّلَ نجاحُ أحدهم في الشهادة الإعدادية إلى عزاء يجعلُ المُعزِّين يتلعثمون ، وكيف ينطقون أمام هذا ” الهياج ” الشعبي و التوحُّش الجماهيري و التَّعَفْرُت النضالي الكفاحي المسلح !
مَن أعطى هؤلاء السلاح ؟ و ضدَّ مَن بالضبط ؟
حرائق الجزائر و الأكثرية الساحقة
منذُ فترة ليست ببعيدة انقضَّت هذهِ الجموع الهائجة على أحدِ الشُّبان المتطوعين أثناءَ حرائقِ الجزائر المؤسفة و المؤلمة ، فقتلوه بكلِّ وحشية و أحرقوه ظنَّاً منهم أنَّهُ هو من افتعل الحريق ، و بعدَ تَكَشُّفِ الحقيقة ندموا !
قال ندموا قال !
هم أنفسهم بل أجدادهم من قاموا بتقطيع أيدي الكاتب الشهير ( ابن المُقَفَّع ) و قاموا بشوائها
وأجبروهُ على أكل يديهِ اللتين كتبَ و ترجمَ بهما أيقونةَ الأدبِ العالمي ( كليلة و دمنة)
هم أنفسهم من قتلوا الفيلسوف الشهير ابن عربي
و هم و هم و هم …
على هذهِ الكتلةِ الاجتماعيةِ الصلبة يُراهن السياسيون كي يربحوا السلطة، وعلى هؤلاءِ المغفَّلين المتوحِّشين المستعدِّين لزهقِ الأرواح ، تركِّزُ وسائلُ الإعلام و تُنفَقُ المليارات على المراسلين و الموظفين و الصحفيين والمخرجين فيقدِّمونَ لنا التغطية المباشرة طوال اليوم و الاحترافَ الإعلاميَ بحق وعلى طبق من ذهب ، و مجاناً للجميع !
ولكن لماذا ؟
الجواب
لكسبِ قلوبِ وعقولِ الغوغائيين لأنَّهم هم من يقلبونَ الموازين في أيِّ بلد لو هاجوا لا سمحت الآلهة !
يقولُ أستاذُ علمِ الاجتماع الدكتور علي الوردي أنَّ المتطرِّفين عبرَ التاريخ هم مَن يربحونَ المعركة ! و للأسف طبعاً …
و يقول الفنان زياد الرحباني: ( السنة إلن أميركا و الشيعة إلن روسيا ، و الملحدين اللي متلي إلن الله ! )
علماء الاجتماع ومدّعو التدين
في العالمِ المتحضِّر أو العالم الأول ، يشتغلُ علماءُ الاجتماع ليلاً نهاراً ، لتهذيبِ الأكثريَّةِ الساحقة و نزعِ أنيابها و تحويلها إلى أكثريةٍ مثقَّفة و أكثرية هادئة تخطو باتِّزان مُتقن و تقرِّر مصيرَ البلد بالانتخابات … و لكن تبقى الحركة الغوغائية موجودة و لكنَّها منبوذة مجتمعياً ، فعلى سبيل المثال و منذ سنوات خرجت مظاهرة غوغائية هزيلة في برلين تطالب بترحيل اللاجئين ، فخرجت بنفس اللحظة مظاهرة حضارية هادئة بعشرات الآلاف تطالب باحترام الدستور و حقوق الإنسان و هذا ما يستحق التأمل !
ليس بعيداً عن ألمانيا ، و تحديداً في جارتها النمسا صاحبةِ التاريخِ العريق ، و عندما علموا بأنَّ هتلر سوفَ يدخلُ بجيشهِ النازي ليحتلَّ البلاد ، قامت مجموعة كبيرة من المتطوعين النمساويين بتنظيمِ أنفسهم و طلبوا من السلطات فتحَ متحفِ فيينا لهم فتأخذُ كلُّ عائلة قطعةً أثرية و تحافظ عليها في المنزل خشيةَ أن ينهبَ النازيون المتحف و الذي يعني للنمساويين الكثير ، و بعدَ انتهاءِ الحربِ العالميةِ الثانية قاموا بإعادةِ القطعِ الأثرية كاملة دونَ نقصان و هكذا جنَّبوا تاريخَهم و وجدانَهم الجمعي مخاطرَ النهبِ و التحطيمِ و السرقة و كانت هذهِ الفكرة من أجمل تجلِّيات التحضُّر عندما تصبحُ الأكثرية متحضِّرة ..
مقارنة مؤلمة
أمَّا بعدَ احتلالِ العراق ، فحدِّثْ و لا حَرَج عن ماذا حصلَ بمتحفِ بغداد و للقارئِ اللبيب نتركُ المقارنة و تأمُّل العِبرة !
أم كلثوم و الغوغاء
عندما زارت كوكب الشرق أم كلثوم سوريا للمرة الأولى في حياتها كان ذلك عام 1931 و بدعوة من الحكومة السورية آنذاك..
لقد استقبلت استقبالا ً حافلا ً على المستويين الرسمي و الشعبي و كان الدمشقيون في معظمهم تواقين للقائها ، و لكن عندما وصلت الفندق لتستريح من السفر و تتهيأ للحفل الكبير ، كان بانتظارها شبان متدينون غوغائيون حاولوا رشقها ب نترات الفضة بهدف حرق وجهها كما حاولوا إشعال النار في ثوبها و هم يصرخون بها أن تحتشم و تلبس الحجاب !
طبعاً هؤلاء المتخلفون يعتقدون قطعاً ب تحريم الغناء و أن سماع الموسيقا حرام ، و هم أنفسهم من طالبوا بإعدام نزار قباني شنقاً في إحدى ساحات دمشق ، فهل تغير الآن المجتمع العربي و هل اختفت أم تفاقمت هذه الظاهرة المتوحشة؟
نترك الإجابة للقارئ اللبيب !
هل سيقول لي أحدكم أن هذه ليس أكثرية ساحقة ؟ و لكن الجواب هو أن هذه النزعة ذات الجذور الدينية هي موجودة في دواخل و أعماق معظم المتديّنين حول العالم و دعونا نعترف بذلك .. فعندما اندلعت الأحداث في سوريا عام 2011 تم الاشتغال بعناية فائقة على النزعة الدينية فتحول النضال السلمي و المطالب المحقة بالحرية الى نزاع مسلح أكل الأخضر و اليابس و انتقلنا بقدرة قادر من حرية “التفكير” إلى حرية “التكفير” في هذا الشرق الحزين و الشهيد ..
حرب أكتوبر و لحظة حضارية يبنى عليها
و كي لا نجلدَ أنفُسَنا ، و ليسَ هذا هدفُ المقال ، دعونا نتذكر أنَّهُ خلال حربِ تشرين (أوكتوبر) عام 1973 بين سوريا و إسرائيل ، لم تُسجَّل في سوريا و لو حادثة جنائية واحدة طيلةَ الحرب و لا حتَّى سرقةً صغيرة ، و هذهِ ظاهرة يُبنى عليها فشعوبنا تضجُّ بالحياة و لكنَّ الظروفَ السياسيةَ القاسية أخرجت منها هذهِ الأكثرية الساحقة والماحقة التي لا تفهم ولا تستفهم لأننا و بكلِّ أسى حصيلةَ احتلالاتٍ و انتداباتٍ عملت كلها على تعميقِ التخلُّف و الخرافة في العقل العربي المربوط على باب العالم الثالث، حيثُ لم تقمْ للعرب قائمة منذُ انهيارِ الدولةِ العباسية.
على الأقل حتى الآن …

الكاتب: محمد الشيخ

دبلوم في الجبر التجريدي

مقيم في ألمانيا

lo3bat elomam

Recent Posts

لبنان ليس متروكًا، فهل يساعده العرب فعلاً

سامي كليب   ارتفاع مستوى العدوان الاسرائيلي على #لبنان ، واعلان جيش الاحتلال السيطرة على…

يوم واحد ago

العالم بعد ترامب: سيناريوهات بعضها مُظلم

روزيت الفار-عمّان "العالم بعد ترامب" عنوان لحوار ومقال مطوّل نشرته صحيفة الفورين بوليسي الأمريكيّة في…

يوم واحد ago

تدمير صور و٥ ألاف عام من الذاكرة الانسانية المُشتركة وسؤال الحضارة

بروفسور ماريز يونس- باحثة واستاذ بالعلوم الاجتماعية تحمل مدينة صور فوق أرضها ما يقارب خمسة…

يوم واحد ago

La Louisiane française, l’empire perdu de Napoléon

La Louisiane française, l’empire perdu de Napoléon Nadine Sayegh – Paris Comment un immense territoire…

5 أيام ago

اتفاق ترامب/ايران حين تتقدم المصالح على المباديء

سامي كليب  لا شك في أن العالم يعيش لحظاتٍ استثنائية قد تقلب وجه الشرق الأوسط…

أسبوع واحد ago

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes

Quand la bière était, juste, une affaire de femmes Nadine Sayegh - Paris On l’associe…

أسبوعين ago