نسرين الخطيب-لبنان
لم يبق أمام حكومة لُبنان سوى أيام قليلة قبل أن تُقرّر، هل تُنقذ ثروة الغاز البحرية، وتمنع العدو الإسرائيلي من الانتاج في حقل كاريش والتقدّم صوب حقول لُبنان؟ أم ان الحق اللبناني سيضيع في غياهب الاهمال ولاسباب غريبة عجيبة يتقاطع فيها الاهمال الداخلي بالاغراءات الخارجية، ومن حق اللبنانيين حينها أن يطرحوا الأسئلة المُقلقة عمّن ضيّع الثروة وما هو الثمن السياسي الذي يُدفع مقابل ذلك؟
ولدق جرس الإنذار، أجرينا تحقيقاً شاملاً وقرأنا كل الدراسات والوثائق المُتعلقة بملف الترسيم وملفات التفاوض وجلساتها، وتأكدنا أن الإهمال اللبناني المقصود لأسباب سياسية أو بسبب عدم إعطاء الأولوية لملف دقيق وحسّاس ومُهم، هو الذي يضع لُبنان أمام حافة خطر ضياع ثروته ومنح عدوه الحق في سرقتها. فبعد أيام ، وبلا مغالاة نقول، يبدأ الاحتلال البحري للثروة اللبنانية بشكل أو بآخر.
الحكومة والمحامون…ردٌّ غريب
لفت انتباه العديد من المتابعين لملف ترسيم الحدود البحرية رد رئاسة الحكومة على الكتاب المقدم بتاريخ 10/5/2022 من قبل المحامين واصف الحركة، علي عباس، وجاد طعمة الذي يطلبون فيه تزويدهم بأسباب عدم اتخاذ أي قرار أو إصدار أي مرسوم بشأن تعديل المرسوم 6433 تاريخ 1/10/2011 (تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة). حيث جاء الرد أنه بتاريخ 21/9/2021، ومع تشكيل الحكومة الجديدة أعيد مشروع تعديل المرسوم رقم 6433 الى الوزارة المعنية (وزارة الاشغال العامة والنقل) لعرضه على توقيع الوزير الحالي وأنه لغاية تاريخه لم يرد من الوزارة المختصة أي معاملة بهذا الخصوص.
يضيف رد رئاسة الحكومة أنه بموجب الكتاب رقم 647/ص تاريخ 11/5/2022 (بعد يوم من تلقي كتاب المحامين) وبعد تداول أخبار من أن سفينة إنتاج النفط التابعة لشركة يونانية ستصل الى حقل كاريش المتنازع عليه لإنتاج النفط والغاز، وحفاظاً على حقوق لبنان في ثروته النفطية في المياه البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة بلبنان، ومنعا لمحاولات التعدي على هذه الثروة، وبناء لتوجيهات السيد رئيس مجلس الوزراء وطلبه، وجهت المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء كتابا الى كل من وزراء الاشغال العامة والنقل، الدفاع الوطني والخارجية والمغتربين، طلبت بموجبه الافادة عن الإجراءات والتدابير المتخذة من قبل كل منهم بهذا الشأن.
اللافت أن الحكومة لم تتذكر أنها أعادت الى الوزارات المعنية ملف ترسيم الحدود البحرية لإجراء الازم بشأنه إلا بعد ورود كتاب المحامين المذكور أعلاه، وبعد سماعها من قبل الإعلام بأن سفينة الانتاج هي في طريقها الى حقل كاريش المتنازع عليه. أما الوزارات المعنية، فيبدو أن لديها الكثير من الملفات تتقدّم في اولوياتها على موضوع ترسيم الحدود البحرية والثروة النفطية في البحر، ولهذا السبب تتأخر في عملية الرد.
واضح أن الكل يعتقد أنه غير مسؤول وقد قام بواجباته في هذا الملف قبل أن تصبح الحكومة في وضع تصريف الأعمال بعد اجراء الانتخابات النيابية. وللأسف، يجب على المواطن ان يُصدق أنه بمجرد ارسال كتاب لتذكير الجهات المعنية القيام بواجباتها، هو أمر كاف لحفاظ لبنان على حقوقه في ثروته النفطية وهذا الاجراء سوف يمنع العدو من التعدي على هذه الثروة، لا بل فور وصول هذا الكتاب الى هذه الوزارات المعنية سيبدأ لبنان على الفور باستخراج النفط والغاز من مياهه البحرية وستحل الازمة الاقتصادية وسيعود الوضع الى ما كان عليه سابقا في لبنان.
ماذا في الوثائق
من يدقّق في ملف ترسيم الحدود البحرية، وبعد الاطلاع على بعض التقارير الرسمية، يجد أن موضوع رد المراسلات الخاصة بهذا الملف دون تحديد مهل واخفاء بعضها الاخر وحرمان مجلس الوزراء من الاطلاع عليها لإجراء اللازم بشأنها، بالإضافة الى تنظيم تقارير هي في غير مصلحة لبنان، هو موضوع ليس بجديد، فمنذ العام 2009 وحتى يومنا هذا تستخدم هذه الطريقة والآلية في المماطلة، وقد أدت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الى حرمان لبنان من استثمار ثروته النفطية وسمحت للإسرائيلي ببدء الانتاج من حقل كاريش المتنازع عليه.
ولتأكيد ما نقول سوف نذكر ما استطعنا جمعه في هذا المجال، وهو كافٍ ليبين للقارئ حقيقة ما جرى وما يجري ويمكنه بالتالي من التأكد ما اذا كان هذا العمل منظماً ومدروساً أم أنه حصل ويحصل عن طريق الصدفة.
يشمل تحقيقنا الصحفي المرحلة الممتدة من العام 2009 مروراً بالمفاوضات غير المباشرة في الناقورة وصولاً الى صدور رد رئاسة الحكومة على طلب المحامين المذكورين أعلاه الذي سجل في قلم رئاسة الحكومة بتاريخ 10/5/2022 عشية انتقال الحكومة الى مهام تصريف الأعمال بعد الانتخابات النيابية التي حصلت في 15 أيار 2022.
الوقائع الدامغة
جاء في تقرير اللجنة المشتركة أن الطريقة المتبعة في ترسيم الخط 23 هي طريقة الخط العامودي على خط حيفا بيروت ومن الاسباب التي تم لأجلها اعتماد هذه الطريقة هو تأمين موقع متقدم للبنان في الدفاع عنه في حال التفاوض مستقبلاً على الحدود النهائية. وهذا ما يتناقض مع رواية لجنة 2009 التي اعتبرت أن الخط 23 رسم بطريقة خط الوسط الذي تكون كل نقطة على طول امتداده متساوية الأبعاد عن أقرب نقطة على خط الأساس للبنان والدولة المجاورة. كاد هذا التقرير أن يمر في جلسة لمجلس الوزراء قي اب 2012 لولا اكتشاف أمره من قبل بعض المتابعين لهذا الملف. ولو تمّ اقراره لكنا اليوم نفاوض بين خط هوف المُجحف وغيرِ المكتمل والخط الاسرائيلي رقم 1 لأنه حينها كان يُراد انتزاع موافقة لبنان على خط هوف قبل أن توافق عليه اسرائيل.
تبنّوا الخط 29 ثم ضيّعوه في الجوارير
الواقع أن المحاولات المتكررة لتعديل إحداثيات الخط 23 بالخط 29 وإيداعها الأمم المتحدة، جعل الإسرائيلي قلقاً وشاعراً بخطرٍ داهم ، مما دفعه للقبول بالجلوس الى طاولة المفاوضات في الناقورة، وعلى هذا الأساس وقعت الولايات المتحدة الاميركية اتفاق الإطار وأُعلن من قبل الرئيس نبيه بري بتاريخ 1 /10/ 2020 وحُدّد موعد بدء هذه المفاوضات بتاريخ 14/10/2020. حينها شكل رئيس الجمهورية وفداً مفاوضاً برئاسة العميد ياسين الذي اطّلع على تفاصيل الملف وخلفياته، فتبين له أنه في حال الذهاب الى المفاوضات دون موقف رسمي لبناني يتبنى الخط 29، سوف يخسر الوفد بسرعة في المفاوضات وسوف يستطيع الاسرائيلي الحصول على كامل حقل كاريش وعرقلة التنقيب في حقل قانا والبلوك 9 وفقاً لبيانات هيئة إدارة قطاع البترول الممثلة في الوفد المفاوض من قبل المهندس وسام شباط، حينها اقترح رئيس الوفد على فخامة الرئيس إصدار توجيهاته بهذا الشأن، فحصل التالي:
اقتنع الوفد المفاوض بأن الاسرائيلي لن يعود الى طاولة المفاوضات في الناقورة، إلا في حال تم تعديل المرسوم 6433 وايداع إحداثيات الخط 29 لدى الأمم المتحدة وتهديد العمل في حقل كاريش الذي يقع نصفه ضمن الخط 29. تماماً كما يفعل هذا العدو بتهديد العمل في حقل قانا وفي بلوكات النفط اللبنانية الحدودية، ويمنع الحفر فيها، كون الابقاء على الخط 23 في الأمم المتحدة يُعطي الاسرائيلي كامل حقل كاريش وكل ما يريد من حقل قانا والبلوك 72 وكامل المساحة البالغة 1430 كيلومتراً مًربّعاً التي تقع جنوب هذا الخط، واكثر من ذلك يبقي النزاع داخل المياه اللبنانية في البلوك 8 والبلوك 9 مما يمنع شركات النفط من العمل في هذه البلوكات كما هو الحال حاليا مع شركة توتال. فلماذا يأتي العدو الى المفاوضات وهو حاصل على كل ما يريد بسبب عدم تعديل المرسوم 6433.
هنا لا بُد من الإشارة الى أمر هام وقد يُفسّر الكثير هو أنه بعد طلب الموافقة الاستثنائية من رئاسة الجمهورية لإصدار التعديل، حضر مباشرة الى لبنان بتاريخ 14/2/2021 مساعد وزير الخارجية الأميركية حينها ديفد هيل، وتعرقل بعدها هذا الإصدار لأسباب ظاهرها شكلي وإنما هي بالحقيقة أعمق من ذلك.
ماذا فعلت حكومة ميقاتي؟
كان من المفترض عند نيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثقة بتاريخ 20/9/2021، ونظراً لأهمية الموضوع كون الاسرائيلي يعمل بالليل والنهار لبدء إنتاج النفط والغاز من حقل كاريش ويعرقل عمل شركة توتال من الحفر في البلوك 9 وحقل قانا، ونظراً للأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان، أن تعمل هذه الحكومة مع رئيس الجمهورية الى وضع بند تعديل المرسوم 6433 على أول جلسة لمجلس الوزراء، كون السبب الوحيد الذي كان معلناً والذي كان يمنع التعديل هو عدم وجود حكومة مكتملة قادرة على إصدار هذا التعديل وفقاً لادعاءاتهم.
وهنا الأسئلة المُقلقة التي لا يجرؤ أحدٌ على الإجابة عليها؟
ماذا فعلت حكومة الرئيس ميقاتي لمنع العدو من ضرب كل المطالب اللبنانية عرض الحائط والذهاب الى حقل كاريش؟ ماذا فعل الرئيس عون الذي لديه صلاحية عرض أي بند على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال؟ من هو الذي منع مجلس الوزراء من الاطلاع على هذا الملف الاستراتيجي الحساس وأخذ القرار المناسب بشأنه؟ لماذا أعلنت رئاسة الجمهورية وكذلك وزير الخارجية والمغتربين أن الخط 23 هو الأساس وأن لا وجود للخط 29 ؟ هل تُعالج مثل هذه الملفات الحساسة والمهمة بالاكتفاء بردها الى الوزراء المعنيين عند تشكيل الحكومات والنوم عليها لحين تذكير رئاسة الحكومة بها من قبل بعض المحامين؟ هل يعتقد المسؤولون أنه بمجرد توجيه كتب دون تحديد مهل لرفع العتب عنهم يُعفيهم من مسؤولية عدم الملاحقة لإتمام ملف يتعلق بالسيادة الوطنية وحقوق الشعب اللبناني التي يغتصبها العدو الإسرائيلي؟ ثم ماذا فعلت الأحزاب والتيارات والقوى الأخرى للدفاع عن حقوق لُبنان فعليا؟ وماذا يفعل الرأي العام للضغط على مسؤوليه كي لا يبيعوا الثروة لأسباب انتخابية وسياسية وصفقات ورفع عقوبات أو لمصالح آنية بثمن بخس ومُذل؟ هل فعلت كل هذه الأطراف شيئا؟
طبعاً لا، ولذلك ينبغي فتح هذه الملفات اليوم قبل غدٍ، وعلى القضاء المعني أن يُلاحق ويُحاسب، وعلى النواب الجُدد أن يحملوا هذا الملف كأولوية وطنية أولا لان هذا حق لُبنان وقد يضيع، وثانيا لأنه يوفّر لفقراء هذا الوطن مالاً وفيرا يُنقذُهم من بؤسهم وينهض بالاقتصاد ولو بعد حين.
وقبل كل ذلك، فان ثمة فرصة أخيرة اليوم، لعرض هذا الملف على أخر جلسة لمجلس الوزراء قبل فوات الأوان كون سفينة الانتاج FPSO التي ستستخرج النفط والغاز من حقل كاريش أصبحت الآن في البحر الأحمر آتية من سنغافورة وستصل بعد أيام قليلة الى هذا الحقل، عندها تكون الحكومة اللبنانية في حالة تصريف الأعمال، وسوف يتم الادعاء مجدداً أن الموضوع يتطلب حكومة فاعلة لتتمكن من أخذ هكذا قرار مهم.
ما لم يحصُل أي شيء الآن فان العدو الإسرائيلية سينتقل بعدها الى الخطوة الثانية بعد بدء استخراج النفط والغاز من حقل كاريش، وهي تلزيم البلوك 72 وبدء الحفر في حقل قانا في القسم الذي يقع جنوب الخط 23 ما دام هذا الخط مودعاً رسمياً من قبل لبنان في الامم المتحدة، وهكذا يكون الاسرائيلي استطاع نقل المعركة الى مياهنا وتهديد ثروتنا النفطية ونحن نتباهى برفع المسؤولية برد الملفات واحالتها من وزارة الى وزارة ولأسباب شكلية لا تنطوي على أحد وتستخف بعقول المواطنين اللبنانيين.
متى يصحو ضمير المسؤولين، ولمصلحة مَن نبيعُ ثروتنا الوطنية بأبخس الأثمان لعدو جائر؟
أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…
Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…
سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…
Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…
مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…
سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…