
سامي كليب:
“مَن مِنكم لم يحاول التقرّب منه والتنسيق معه فليرمِ الآخرين بحجر”، يصحُّ هذا القول على كل الأطراف السياسة اللبنانية بلا مُنازع، في علاقتهم مع حزب الله. ذلك انه حتى أشرس خصومه المُعلنين حاولوا ويحاولون توسيط أطراف محلية ودولية للتفاوض معه. والآن في أوج معركة الانتخابات النيابية التي ضَمِن فيها الحزب مع حليفه حركة امل تثبيتِ شرعيتهما النيابية، ما زالت محاولاتُ طرقِ أبوابِه جارية بعيدا عن الأضواء بحثا عن تحالفات.
من يقرأ كتاب ” الرئاسة المقاومة” للرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، يتأكد من أنه حتى في خلال أشرس الحروب، تبقى الجسور قائمة بين المتحاربين، فهو يقول (ص 37): “تم أول اتصالاتي السياسية بقيادة المقاومة الفلسطينية في الكويت عام 1971″، ويروي بكثير من المحبة والاعجاب علاقته العميقة مع صلاح خلف (أبو إياد) الرجل الثاني سابقا في منظمة فتح:” الذي تواصلتُ معه في ما بعد بصورة مُستمرة” .
والشأن نفسه قد نقرأه في كتاب ” الثقب الأسود” الذي يروي فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري للزميل نبيل هيثم مساعي أطراف نافذة في فريق 14 آذار (المواجهة آنذاك لسورية وحزب الله)، للتقرّب منه ومن الحزب وتلاوة أفعال الندامة. ولعلّ أكثر تبرير لهجوم حزب الله على خصومه في العام 2008 جاء لاحقا على لسان وليد جنبلاط لدى سؤاله عن سبب تصعيده ضد الحزب ومحاولة قطع خطوط الاتصال الأرضية واقالة مسؤول أمني كبير من المطار، قال :” تحمّست”.
كذلك في كتاب ” أجمل التاريخ كان غدا” لنائب رئيس مجلس النواب سابقا إيلي الفرزلي، يُكشف النقاب عن أطراف، كانت تُجاهر علنا بالعداء لسورية، وتسعى في الغرف المُغلقة الى استجداء غازي كنعان او رستم غزالة للحصول على منصب أو مصلحة.
ثم هل ننسى أنه بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كيف ذهب أحد أبرز المقرّبين من الرئيس الشهيد يحاول نسج صفقة مع الحزب في الضاحية الجنوبية؟
دعونا إذا ننسى المبادئ قليلا، ونتحدث عن الواقع، فالفرق بين الاثنين كبير في لبنان، ولعلّ هذا ما جعل السعودية ودول الخليج تيأس من حلفائها، الذين كانوا يعدون بالكثير ضد الحزب علانية، وبعد ان يحصلوا على حقائب المال، يبعثون بوسطاء لعند الحزب للتنسيق.
السؤال الأول اذاً الذي يُطرح حيال ” التراند الانتخابي ” القائل ب” نزعِ سلاح حزب الله” ولصدّ ما بات يُسمى ب:” الاحتلال الإيراني”، هل هذا الطرح مبدئي وواقعي، وقابل للتنفيذ، أم يُشبه الى حد بعيد ما كان عليه الحال، بالنسبة لمقولة السقوط القريب للرئيس السوري بشّار الأسد منذ العام 2011، أو حيال السلاح الفلسطيني في لبنان، أو لجهة عزل الكتائب من قبل الحركة الوطنية وحليفها الفلسطيني ؟ .
السؤال الثاني: هل ان حزب الله اليوم في البيئة اللبنانية هو نفسه الذي كان بعيد حرب 2006، الأكيد لا، فهو فقد جزءا لافتا من شعبيته، اما بسبب أخطاء في التقديرات السياسية الداخلية والايحاء بشيء من فائض القوة في الخطاب، او بسبب انخراطه في الحروب العربية، أو بفضل نجاح الحملة الاعلامية ضده، وفشل اعلام المحور في الدفاع عما يؤمن به.
لا شك أن كل لُبناني مؤمن بدولة ووطن، يتمنى أن يكون السلاح محصوراً بيد الجيش والمؤسسات الأمنية، لكن حتى إشعار آخر، فإن معظم اللبنانيين الذين يعرفون حقيقة التوازنات، يُدركون أن الجيش الذي يحبّه شعبه، غير قادرٍ على صد أطماع عدو لُبنان ليس لقلة شجاعة، وهو برهن عن شجاعته مرارا، ولا لقلة كفاءة، وهو المتمتع بأفضل أنواع التدريب في لبنان والخارج، وإنما لقلة الإمكانيات وانعدام الأسلحة الفعلية التي يُمكن أن تُسقط طائرةً إسرائيلية واحدة تعتدي على لبنان بحرا وبرا وجوا.
ثم إن قسما لا بأس به من الناس، ضاق ذرعا بالفقر والجوع والفساد وانقطاع الكهرباء والماء والدواء، فصار يُحمّل الجميع مسؤولية التردّي، ويضع الحزب وسلاحه مع كل الأطراف الأخرى في سلّة واحدة من الاتهامات. وذلك رغم ان قسما آخر وازنا، لا يقبل أن يوضع الحزب في السلة نفسها.
ما هي الاحتمالات ؟
يُصدّق أصحاب القلوب الطيبة والعقول الساذجة، أن الدول الغربية قادرة على إلزام إسرائيل باحترام الحدود البحرية والبرية، وبأن آلاف الشكاوى التي قدّمها لُبنان الى مجلس الأمن ضد عدوه، وبقيت حبرا على ورق، يُمكن أن تمنع إسرائيل من تكثيف الاعتداءات على لُبنان. لكن الحقيقة أن لا الشكاوى ولا الغرب ولا أي دولة أخرى حالت دون اعتداءات إسرائيل المتكررة. هذا بالضبط ما جعل تبريرات الحزب للإبقاء على سلاحه وحماية بيئته وناسه والوطن، أكثر منطقية من الوعود الفارغة من غرب يناصر إسرائيل، وشرقٍ يجاملُها.
لذلك، ومنعا، لغرق لُبنان في حرب أهلية جديدة تنفيذا لأجندات خارجية، أو انطلاقا من عقول ساذجة محلّية، دعونا نرى كيف تتوزع خريطة المطالبين بنزع سلاح حزب الله اليوم:
- قسمٌ أول، صادقٌ في التفكير بأن السلاح يجب ان يكون محصورا بيد الدولة، وهو يعتقد أن السلاح هزم إسرائيل لكنه تحالف مع فاسدين وحمى الفساد وانه مسؤولٌ أيضا عن افقار الناس وعن تغليب طبقة سياسية فاسدة على وطنيين حقيقيين، وهذا القسم لا يعرف ما هي البدائل.
- قسمٌ ثانٍ، عجز عن الحصول على دعم الحزب في معاركه السياسيه والانتخابية ويريد الانتقام.
- قسمٌ ثالث، يُصدّق الوعود الخارجية بالدعم إذا ما قاتل الحزب سياسيا وحتى عسكريا، لكنه يُدرك محدودية دوره.
- قسمٌ رابع يرفع اللهجة الى أقصاها آملا في اقناع الحزب بالرضى عنه والتحالف معه.
- قسمٌ خامس، يخشى لو استمر الحزب في توسيع قواعده السياسية والشعبية المدعومة بالسلاح والمال الإيرانيين، أن يُطالب بحصة أكبر للشيعة في النظام اللبناني المُقبل، بعد انهيار النظام الحالي. ( ربما البطريرك الماروني بشارة الراعي هو أبرز المعبّرين عن هذا القسم).
كل هؤلاء، على الأقل حتى الآن، لم ينجحوا في توحيد رؤاهم أولا، ولم يقدّموا بعد بديلا جاذبا لما بعد سلاح الحزب. ولو أراد الحزب، رسمَ معارضة تُناسبه، لما وجد أفضل من هؤلاء لكونهم لم يشكّلوا بعد أي توازن حقيقي مع قوته العسكرية وتمدده السياسي.
صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية هي الداعم الأول للجيش اللبناني بحيث ينحصر فيها وحدها أكثر من 80 بالمئة من المساعدات للمؤسسة العسكرية، لكن الصحيح أيضا أن كل هذه المساعدات لا تُقارن بحجم الأسلحة والمساعدات التي تقدّمها إيران لحزب الله، والتي ساعدته في حربه الناجحة ضد العدو، حيث كشفت الوثائق ان قائد فيلق القدس الجنرال الراحل قاسم سليماني قاد الجزء الأكبر من حرب عام 2006 بنفسه ومن قلب لُبنان (راجع تقرير فينوغراد الإسرائيلي حول هزيمة اسرائيل).
لو عُدنا الى تجارب التاريخ، نُدرك أن كل سلاحٍ خارج إطار الجيش اللبناني، انتهى بتسويات إقليمية ودولية، وخصوصا بين سورية والولايات المتحدة الأميركية. لذلك فإن مسألة سلاح الحزب تحتاج اليوم الى نظرة واقعية لما يجري على الساحة الخارجية.
ويمكن طرح الأسئلة التالية:
- هل أن سورية مُستعدة أو قادرة على الانخراط في تسوية إقليمية دولية تستهدف سلاح الحزب، بالإقناع أو بالقوة؟ الأكيد أنها غير مستعدة، ذلك أن ” روابط الدم” التي قامت بين الحزب والقيادة السورية، وبين إيران وهذه القيادة، خدمت الجميع عسكريا وهي ليست من النوع الذي سيتفكك أمام أول صفقة. وأقصى ما يُمكن أن تفعله سوريا لاحقا هو الاتفاق مع الحزب على انهاء وجوده على ارضها، واستمرار التنسيق معه في لبنان بعد انتفاء الحاجة لقواته (وهي تنتفي حاليا) في سورية.
- هل ان روسيا تُريد اخراج إيران وقوات حزب الله من سورية واضعاف المحور الذي ينتمي اليه الجانبان؟ بالمبدأ نعم لأنها تريد ان تكون الطرف الوحيد الشريك لسورية المقبلة، لكن الأكيد أنها لا تريد ذلك حاليا، خصوصا في ظل حاجة موسكو الى حلفاء وأوراق قوية في مواجهتها مع الأطلسي على تخوم أوكرانيا. الحزب بهذا المعنى مهمٌ لها حاليا خصوصا إذا ما جنحت الأمور نحو قرار بإخراج القوات الأميركية بالقوة من على الأراضي السورية للضغط على الجبهة الأوكرانية.
- هل أن نجاح التفاوض بين إيران وأميركا حول البرنامج النووي، واحتمال نجاح التفاوض بين طهران والرياض، يعني انهاء سلاح حزب الله في لبنان بتسوية أوسع في المنطقة؟ من السذاجة التفكير بذلك الآن، طالما ان سلاح الحزب هو أحد أهم أوراق إيران ومحورها في المنطقة. لكن هذا لن يمنع من صفقة إيرانية سعودية سورية أميركية للاتفاق بشأن انتخاب رئيس لبناني مُقبل وتركيبة النظام اللبناني العتيد، في حال سارت الأمور على نحوها الإيجابي ( لكن هذا ما زال معقدا حتى الآن).
- هل أن أميركا تُريد فعلا تخفيف الوزن الشيعي في لُبنان والحفاظ على التوازنات القائمة؟ قد نجد الجواب في تجارب سابقة، ذلك ان واشنطن أزاحت السُنّة عن الحكم في العراق، وأتت بالشيعة حين توافقت مصالحها معهم، وهي نفسها التي كانت أبرز حليف لإيران الشيعية في عهد الشاه. فلماذا لا تتفق مع شيعة لُبنان لاحقا لو تقاربت المصالح؟
- هل لو تم ترسيم الحدود البحرية وما يتبعها من ترسيم للحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، يتم نزع ورقة السلاح؟ ربما الأمر يُضعف ذرائع حزب الله، لكنه لا يُلغيها، ذلك أن الحزب الذي قرّر منذ سنوات أنه جزء من محور متكامل على مستوى المنطقة، لن يقدم على أي خطوة لتسليم سلاحه، ما لم تستقر كل أوضاع المحور، وهذا أمر ليس قريب المنال اذا ما اخذنا شروط قيام الدولة الفلسطينية، واستعادة الجولان، وانتهاء حرب اليمن، واستقرار العراق وغيرها…
- هل يُمكن التفكير بنزع أو تسليم سلاح حزب الله، بعد حرب ضروس بين إسرائيل ولبنان؟ من يقول هذا، يستند الى أمثلة سابقة، ومنها الاجتياح الإسرائيلي للبنان والذي أنهى عمليا السلاح الفلسطيني، وان ما سبق تلك الحرب وتخللها من تسويات وصفقات إقليمية ودولية هو الذي أنهى الحركة الوطنية اللبنانية. لكن هل يستطيع أهم خبيرٍ سياسي أو عسكري، أن يعرف نتائج متل تلك الحرب التي قد تكون كوارثية على لبنان وإسرائيل معا؟ هل يستطيع أي خبير أن يعرف من سينتصر فيها فعلا؟ ماذا لو ربحها الحزب مثلا؟ ماذا لو كشف الحزب في خلال الحرب عن أسلحة استراتيجية تُسقط طائرات إسرائيلية وتصيب قلب إسرائيل؟
خلاصة القول :
انطلاقا مما تقدم، يُصبح كل كلام عن نزع سلاح الحزب، هو مجرد ” تراند انتخابي” قد يجذب شعبية محدودة في الداخل، ويصنع قضية مؤقتة عند أصحابه، وقد يفتح بعض خزائن المال العربية أو الدولية لرافعيه، لكن تنفيذ ذلك يُصبح ضربا من الوهم.
هل هذا يعني أن لبنان محكوم الى الأبد بسلاحٍ رديف للجيش؟ الأكيد لا ، فالعالم يتغيّر ويتبدّل، ورسم الخرائط الجديد على مستوى المنطقة كبير، وما بعد حرب أوكرانيا ليس كما قبلها، وشراسة الصراع حاليا بين المحور الأطلسي من جهة بقيادة أميركا، والمحور الصيني-الروسي وحلفائهما من جهة ثانية، يشي بكثير من التقلبات، ولعلّ أيران وسورية ومن خلفهما الحزب سيكونون معنيين بشدة بهذه التحالفات ويلعبون أدوارا مهمة فيها.
يجب انتظار كل ذلك، لمعرفة أي طريق ستسلكه إيران وسورية في المرحلة المُقبلة، ذلك أن مثل هذا السلوك فقط سيحدّد مستقبل الحزب وسلاحه، لكن الحزب في الحالتين، سيبقى لاعبا أساسيا على المستوى السياسي الداخلي، ذلك أنه شئنا أم أبينا، هو يستند الى قاعدة شعبية سيعزّزها بكتلته النيابية الوازنة بعد الانتخابات، فإما يرضى العالم بذلك ويأتي للتفاوض معه كما فعل مع إيران ( وهذا مُحتمل خصوصا في سياق ترسيم الحدود) ، أو يحاربه كما حارب حركة حماس بعد فوز نوابها في الانتخابات، وهنا يدخل لبنان في أتونٍ قاتم من الويلات الجديدة والحصار والعقوبات، التي سيكون اللبنانيون من جميع الطوائف والأحزاب وقودها فوق جثة الوطن.
لذلك فان طرح نزع سلاح الحزب، ورغم شرعية هذا الطرح بالنسبة لكل مؤمن بحصر السلاح بيد الدولة، سيبقى ” تراند انتخابي” غير قابل للتنفيذ، خصوصا ان استطلاعات الرأي ( راجع كمال فغالي) تُثبتُ ان الهموم الأولى للناس تتعلق بلقمة عيشهم وكيف الخروج من مآزقهم الاقتصادية وليس السلاح. وأما الاستمرار برفع شعار ” نزع السلاح” بلا مشاريع انتخابية جاذبة، فقد يرتد على حامليه ويعزز شعبية الحزب في بيئته وليس العكس.