آخر خبرافتتاحية

العالم نحو الاندثار السكّاني. أيستفيدُ العرب؟

سامي كليب:

                    سكان الصين البالغ عددُهم اليوم مليار و410 مليون نسمة، سيصبحون 730 مليونا فقط في العام 2100، وكذلك سيكون مصير 23 بلدا في العالم ستفقد نصفَ مواطنيها. هذا ما تُنذر به أحدث دراسة لمعهد الأرصاد الجوية والتقييم الصحي في جامعة واشنطن العريقة. فهل يفيدُ العربُ من ذلك أم يصبحون كالمعتاد ضحية عدم التخطيط والتنازع على الوهم والفتن.

                 هذا الاندثار الديمغرافي يشغلُ عُلماء الاجتماع ومراكز الدراسات العالمية منذ سنوات، وذلك بحثا عن كيفية التصدّي له، عبر تحسين شروط الحياة والتخفيف من كوارث الانسان على البيئة وتشجيع الانجاب وفتح الأبواب للهجرات المُفيدة صوب الدول المحتاجة الى يد عاملة.

             كان كوكبنا الأرضي يضم في العام 1800 ميلادي نحو مليار نسمة فقط، اليوم تخطى عدد السكان 7،8 مليار، ويقول العُلماء ( وفق تقرير نشرته صحيفة لوكورييه انترناسيونال) إن النمو السكاني الذي وصل الى ذروته في أواخر العام 1960 بنسبة 2،09 بالمئة، سينخفض الى أقل من 1% في العام المقبل، بحيث أن 151 بلدا من أصل 195 ستعاني من انخفاض ديمغرافي مُقلق.

ستكون آسيا من أكثر مناطق العالم تأثرا (تايوان وكوريا الجنوبية واليابان وفيتنام وصولا الى الصين). فعلى سبيل المثال سجّلت كوريا الجنوبية في العام 2020 فقط 272400 ولادة، ما يعني أن نسبة الانجاب انخفضت الى أقل من 0،84% بينما المعدّل الطبيعي هو 2،1 %.

كذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الأوروبية، فوفق التقارير الدولية، سيبدأ ظهور التقهقر السكاني الفعلي في أوروبا ابتداء من هذا العام.

تسعى الدول لمواجهة هذه الكارثة بطرق مُختلفة، مثلا الصين التي كانت طويلا تمنع أنجاب أكثر من ولد سمحت بولدين، وثمة دول أخرى فتحت حدودّها أكثر للمهاجرين (مثلا المانيا استقبلت أكثر من مليون مهاجر سوري منذ بداية الحرب السورية وبينهم كثير من الحرفيين، وأستراليا مدّدت فترة إقامة المهاجرين للسياحة والعمل). ووفق تقرير للأمم المتحدة صدر قبل فترة، فان 281 مليون حالة هجرة رُصدت في العام 2020، أي أكثر ب 1،6 % عمّا كانت عليه أحوال الهجرة قبل 20 عاما.

بيّنت الأعوام القليلة الماضية، أن الدول التي تُغلق حدودّها تتعرض لمشاكل فعلية في اليد العاملة، فمثلا منذ قرّرت بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي منع توظيف سائقين للشاحنات من خارج حدودها، صدرت تقارير تؤكد أنها تعاني من نقص يصل الى نحو 100 ألف سائق، ما اضطر شركات الشحن الى رفع الاجوار بنحو 30 % لإغراء السائقين البريطانيين بالعمل في هذا القطاع.

إذا كان الوطني العربي بشكل عام (مع استثناءات قليلة)، أسوأ حالا في كل المجالات تقريبا مقارنة بدول العالم المتقدّم أو حتى الصاعد، فإنه سكانيا أفضل بكثير، حيث كان النمو قد وصل في منتصف العقد الماضي الى 2،3 %، مع تفاوت في الانجاب، فمثلا سلطنة عُمان كانت الأفضل انجابا بنسبة 3،48 % بينما النسب تراجعت كثيرا في تونس ولبنان على سبيل المثال ( مع خطر تقلّص جدي لسكان لبنان).

تقول تقارير الأمم المتحدة أن التراجع في النمو سيشمل الشرق الأوسط حيث من المتوقّع أن ينزل الى ما دون 1،3 بالمئة في العام 2030، والى أقل من 1 بالمئة ( ربما 0،8) في منتصف القرن. لكن ذلك لن يمنع ارتفاع العدد الإجمالي للسكان الذي كان  338 مليون نسمة في العام 2000 ، وقد يصل الى 724 مليونا في العام 2050، حيث نسبة التفاوت كبيرة بين دولة عربية وأخرى، وحيث أن الدول الكُبرى مثل مصر يزيد عدد سكانها حاليا على 100 مليون وهو في صعود مضطرد حيث يصل الانجاب السنوي تقريبا الى مليون نسمة اضافية.

في جميع الأحوال، الوضع السُكاني العربي جيد، ونسبة الشباب فيه تفوق 50 % لا بل تصل في بعض الدول الى نحو 70%. لكن المشكلة أن المنطقة العربية تعاني أكبر نسبة بطالة في العالم، وذلك وفق تقرير أصدرته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) والمكتب الإقليمي للدول العربية التابع لمنظمة العمل الدولية.  وحاليا يوجد نجو 15 مليون عربي عاطلين عن العمل (وبسبب الحروب ربما العدد فاق 20 مليونا والبعض يتحدث عن 30 مليون).

المنطق يقول، إنه ما لم تؤمن الدول العربية وظائف ومجالات عمل لهؤلاء الشباب، فمعظمهم سيهاجر حين تسنح له الفرصة الى أي دولة تقبله، ومن لا يستطيع الهجرة سيقبل أي عروض تصله من تيارات إرهابية أو مجموعات مسلّحة أو عصابات لتجارة المُخدّرات. كما أن الخُبرات الكُبرى والحرفيين في الوطن العربي سيقبلون عروضا من الدول التي تحتاجهم تاركين بلادهم أمام فراغ وظيفي وانمائي خطير.

هذا يتطلب اليوم قبل الغد، عودة الدول العربية الى بعضها البعض، ووضع استراتيجية حقيقية تقفز فوق الخلافات، والقفز كذلك فوق الشعارات التاريخية التي بقيت، يا للأسف، شعاراتٍ خاوية حول الوحدة والتضامن والتكامل لأنها غرقت في أتون السياسة والتنافس والأطماع، وان تضع أن بالمقابل خططا اقتصادية واجتماعية وديمغرافية للمستقبل اذا كانت تريد مستقبلا أقل كوارث.

هي مجرّد نصيحة تفرضها الوقائع والأرقام، فهل من يسمع؟

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button