ثقافة ومنوعاتشباب 20

فيلسوف أميركي: إفهموا كونفوشيوس كي تفهموا الصين

منعم بن دائخة

‏يعطينا الفيلسوف الأميركي بريان دبليو نوردان درسا مهما للتعامل مع الخصوم أو الأعداء، ويتخذ من حالة العداء بين الصين وأميركا مثالاً على ذلك ليشرح أن فهم فلسفتها هو مفتاحُ التعامل معها بدلا من الاستعلاء عليها وهي مقبلة لان تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العام .

يُعتبر نوردان من أبرز الخبراء والمهتمين بالفكر الصيني والفلسفة الصينية الكلاسيكية [الكونفوشيوسية]، وهو مترجم ومؤلف لكتب فلسفية كثيرة.عمل أستاذا زائرا بجامعة ييل إن يو إس السنغافورية، وبجامعة ووهان الصينية، ثم انتقل للتدريس بجامعة فاسار بالولايات المتحدة الأميركية. مراحل تدريسه وعيشه بالمجتمع الصيني والأسيوي  وخبرته العميقة، أمورٌ منحته قدرة فائقة على تحليل طرق تفكير هذه الشعوب والحكومات وتعاملها مع الآخر وكيفية التعامل معها .

‏يقول الفيلسوف الأميركي: “إن حاجة أميركا لفهم الصين أصبح أمرا ملحّا؛ لأنّ الاقتصاد الصيني يسير بوتيرة سريعة نحو الهيمنة العالمية بحلول عام ٢٠٣٠، وقد تكون القيادة الصينية مفتاحا مهما لحل الأزمة النووية مع كوريا الشمالية، كما أن لديها طموحات سياسية وعسكرية ببحر الصين الجنوبي وبالهند، و إن الدبلوماسيين الأميركيين والمواطنين المهتمين بذات الشأن، بحاجة لمعرفة الخلفية التاريخية والفكرية للصين المعاصرة. وبصفتي باحث في الفلسفة الصينية، أظن أنه من الواجب علينا أن نفهم كيف تفكّر الصين؟”.

يرى نوردان أن :” ثمة مشكلة لدى التعليم الجامعي الأميركي فيما يخص الفلسفة. ‏فالجامعات الأميركية لا تهتمّ بالفلسفة الصينية الكلاسيكية، ولا تدرسها كالكونفشيوسية والتاوية. وأن الصين قوة عالمية لا يستهان بها ولها مطالب اقتصادية وجيوسياسية، والفلسفة الكلاسيكية لها أهمية كبرى فيها، ‏حيث أشاد الرئيس الصيني شي جين بينغ مرارا وتكرارا بالفيلسوف الشهير: كونفشيوس الذي بنظر الصينيين هو شبيه بوذا ويسوع وسقراط، مع اختلاف زوايا النظر التي يتم فيها تأويل وتفسير فكر كونفشيوس، ففريق يراه زنديق، وفريق يضعه في مرتبة القدسية، وفريق بين هذا وذاك.

‏الأهم بحسب نوردان أن هناك من يرى الفكر الكونفشيوسي بديلا وخيرَ مُنافس للديمقراطية الليبرالية الغربيّة، ولذلك فهو ينتقد قاضي المحكمة العليا أنتوين سكاليا حين قال عن فلسفة هذا المُفكّر الصيني الكبير:” إنها حكايات صوفية بالية فيردّ عليه مؤكداً : “أن الفلسفة الصّينية ثريّة بالأدلة والبراهين المقنعة والتحليل الدقيق والعميق”

 في السياق نفسه ترى البروفيسورة إيرين كلاين:” أنّ الأخلاق الكونفشيوسية تمنحنا فهمًا معمّقا لأكثر القضايا الأخلاقية المرتبطة بالأسرة وتربية الأطفال تعقيدا واستعصاءً وتحمل في طياتها نصائح سياسيّة مهمة.”

الواقع أن  ‏الكونشفيوسيين يؤكدون على دور الأبوين في رعاية أطفالهما ومسؤوليّة الحكومة في خلق بيئة طبيعية ومناخ ملائم يوفر ازدهارا ورفاهية للأسرة بداخلها.

من هذا المنطلق يعتبر الفيلسوف الأميركي نوردان  أن إضافة الفلسفة الصينية الى المناهج التعليمية  في أميركا يعدّ مطلبا مهما وإثراء للتنوع الثقافي الذي تحتاجه الثقافة الأميركيّة. ‏وهو يشير الى تجربته الخاصة وتجربة العديد من  زملائه الأكاديميين الأميركيين ليشرح بعض المُشكلة ومنها مثلا أن الطلبة ذوي البشرة المختلفة عن البيض يواجهون عوائق أمامهم، مما يمنح الفرصة للبيض فقط ويدفعهم الى النظر للآخرين بفوقية   بدلا من السعي للتنوع وإضفاء التعددية داخل المؤسسات الأكاديمية التعليمية بأميركا ما يُفسح في المجال أمام فهم الشعوب الأخرى وتدبر حسن العلاقة مع دولها.

‏يقول نوردان: إننا في حاجة لإثراء الحياة الفلسفيّة وتوسيع المناهج. لسنا في حاجة للفلسفة الصينيّة فقط، بل لفلسفات عديدة أخرى، كالنسويّة والإسلامية واللاتينيّة والفلسفات القادمة من جنوب آسيا. ‏وهو ينتقد تمسّك بعض زملائه بالفلسفة الأوروبيّة فقط، والاكتفاء بها على أساس أنها الوحيدة الجديرة بالاهتمام والدراسة. ويقول: ” ألقيت ندوة في مؤتمر عن الفلسفة، واكتفيت بالفلسفة الصينية، كان الحضور معي أقل من عشرة أشخاص، بينما تكتظّ وتزدحم الندوات التي تهتم بالفلسفة الأوروبيّة!”

‏مقابل هذا الاحجام عن الاهتمام بالثقافات والفلسفات الصينية في أميركا، فإن الجامعات الصينية مهتمّة جدا بمعرفة الفلسفات الأوروبية والأميركية والغربية بشكل عام، ذلك أن الصين، ودائما بحسب نوردان: ” تستثمر في قطاع التعليم الجامعي وتوسيع مجالاته صوب المعارف الأخرى، بينما عملت إدارة ترامب السابقة على خفض ميزانيّة التعليم. ولذلك فأنا أتوقع أن تفهمنا الصين أكثر مما نفهمها!”

‏يسأل نوردان: “ما الذي يحمله لنا المستقبل؟”، ثم يجيب :” إن الصين قوة اقتصادية كبيرة، ومهيمنة على المسرح العالمي. وكمثال على ذلك: مبادرة حزام واحد وطريق واحد. وهي أكبر ممر اقتصادي يقوم على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر من أجل ربط الصين بالعالم؛ ليكون أكبر مشروع بنية تحتيّة في تاريخ البشرية. ستتوسّع قوة الصين الاقتصاديّة والسياسية في جميع أنحاء أوراسيا. لكن، هل تستطيع الولايات المتحدة الاميركية بصدق فهم هذا البلد؟”

يقول الفيلسوف كونفشيوس: “لا تقلق من عدم فهم الآخرين لك، عليك أن تقلق من عدم فهمك لهم!” لكن ما الذي نستفيده كعرب من هذا المقال!؟ أعتقد شخصياً أن الفلسفة مهمّة وضرورةٌ ملحّة لفهم العالم والناس والمجتمعات. وأنّ العداوة يمكن أن تنقلب إلى تنافس مع الآخرين، تنافسٍ اقتصادي، وتنموي وفلسفي وعلمي. وأنّ تاريخ الأمم والشعوب لابدّ من دراسته بعناية وفحص واهتمام، وأن الانغلاق والتّزمت والتحجر يدفعون صاحبهم الى الهلاك والخراب والفساد والهمجيّة والخسران المبين!

——————————————————————-

الكاتب: منعم بن دائخة، كاتب ومترجم ليبي.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button