آخر خبرمقال اليوم

كل اسبوعين مدينة في الصين بحجم لندن

لجين سليمان-الصين

يقول العالم والسياسي البريطاني “مارك ليونارد”   في كتابه “فيم تفكر الصين؟” إن السرعة التي يحدث بها التقدم في الصين أكثر من مدهشة، فتشييد المباني في شنغهاي يجري بسرعة مدهشة، إلى حد تحتاج معه إلى إعادة رسم خرائط المدينة كل أسبوعين، فكل عام تنشأ مدينة بحجم لندن في “دلتا نهر اللؤلؤ”.

وهو بالفعل الأمر الذي يحدث ليس فقط في شنغهاي، وإنما في مدن عديدة، فعملية البناء لا تتوقف بل هي حركة مستمرة ليلا ونهارا، من خلال تنظيم ورديات عمل العمال، بشكل يستمر العمل فيها ليل نهار.

وأما الهدف النهائي لهذه الجهود المبذولة، فهو تحويل كل شيء إلى نموذج صيني، نموذج يصنع معجزة، فتكاد لا توجد مساحة فارغة في الصين إلا ويتم العمل على استغلالها ليس فقط من حيث الخدمات، وإنما من حيث تقديم الفكرة. وإليكم بعض الأمثلة:

 تم إنشاء حديقة تحت اسم “اكسبو غاردن” في عدد من المدن الصينية، وقد جمعت  هذه الحديقة ما تتميز به كل مدينة في الصين، فمثلا تتميز بكين بالخيم التراثية التقليدية، فيتم تشييد خيم تعود لبكين، أو مثلا تتميز شنغهاي بأبنيتها العالية، فيتم وضع نموذج مصغر لبناء عال شهير في شنغهاي، وعندما تسأل أي صيني عن الهدف من هذا الأمر، لن يتردد في أن يجيب “في الصين كلّ المدن واحد، ولذلك بمجرّد دخول هذا المكان، فإن السائح يعرف تلقائيا ما هي الأماكن الشهيرة التي تضمّها الصين، فإما أن يتجه إليها أو يكتفي بمشاهدتها من هنا، ولكنه يكون قد أخذ فكرة عما يوجد في الصين من معالم”

هذا فضلا عن الاستفادة من الأماكن القديمة وإنشاء معالم جديدة على أنقاض ما دمّرته الحرب خلال غزو اليابان للصين، فمثلا في مدينة تشوشنيغ تم تحويل مطار قديم كان يستخدم كمطار عسكري خلال غزو اليابان، إلى جزيرة بيئية بعيدة عن مركز المدينة، بحيث يتم الحفاظ على كل ما هو موجود من نباتات وأشجار بطريقة بيئية، تلك الجزيرة تسمى “غوان يانغ” ومن المتوقع أن تحظى بزيارة 2000 سائح يوميا عندما يتم افتتاحها للعلن، ولذلك سيتم إنشاء فنادق حولها لا في قلب الجزيرة، لأن الهدف الأساسي منها هو الحفاظ على البيئة بعيدا عن العمران والأعمال الصناعية.

أما المناطق التراثية القديمة فيتم العمل على الحفاظ عليها بالشكل الأمثل، فتُرمّم مع إضافة تحسينات تعطي طابعا حديثا، فعلى سبيل المثال منطقة “السوشيكو” بمدينة “تشونشينغ” أيضا، تم تحويلها إلى منطقة تراثية بالكامل، مع ملامح جديدة وحديثة. هذه المنطقة تضمّ عددا من المقاهي التراثية، والمسارح الصيينية القديمة، فلا يتردد أي صيني اليوم عن زيارة تلك المنطقة لمشاهدة العروض الصينية التقليدية، خاصة إذا كان يرغب باسترجاع طفولته ليتذكّر كيف كان يذهب مع والديه مثلا إلى تلك الاماكن.

بدورها تخضع القرى الصينية إلى عملية تحديث على الطريقة الصينية، فيتم الحفاظ على الطابع القروي مع إدخال أدوات تكنولوجية تساعد المزارع في الحفاظ على أرضه.

كذلك المراكز البحثية التي يتم تطويرها بسرعة لافتة بحيث يتم توثيق الأبحاث والكيفية التي تمت بها عملية التطوير، فيتم وضع الأوراق المنشورة في إطارات صور، كي تظهر ما تم نشره وصولا إلى الوقت الحاضر وما تم التوصل إليه من معرفة في تسلسل زمني محكم.

أخيرا، كما قيل في إحدى المحاضرات التي ألقيت في جامعة تسينغوا في بكين عام 2006 تحت عنوان الوجود الفعلي للصين “إن مجرد وجود الصين يحدث مشكلة للتفسيرات الغربية للتاريخ العالمي، فالكتاب المقدس لم يذكر أي شيء عن الصين، إذ اعتقد هيغل أن تاريخ العالم يبدأ بالصين البدائية، وينتهي في أرقى درجات الكمال بالحضارة الألمانية، أما فرضية نهاية التاريخ لـ “فوكوياما” فتستبدل ببساطة أمريكا بألمانية، لكن الغرب اكتشف فجأة أنه يوجد في الشرق هذه الصين: إمبرطورية مترامية الاطراف، ذات تاريخ طويل وماض مجيد، لقد بزغ فجر عالم جديد برمته”.

هو  حتما فجر عالم جديد تقوده الصين بنموذجها الخاص ، بعيدا عن كل الضجيج الذي تروّج له الدعايات ضدها، فيتم خلق نموذج صيني كلّ يوم، تمهيدا لمعجزات أخرى، ليس اقتصادية فقط وإنما بيئية وفنية وثقافية ومجتمعية أيضا.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button