آخر خبرمقال اليوم

ليبيا: 100 ميليشيا ونزاع انتخابي حاد…كيف الخلاص؟

 د.نسمية عمّوري-الجزائر

   لم تعرف ليبيا إجراء أي انتخابات منذ استقلالها عام 1951  باستثناء الإنتخابات المقيدة في ظل النظام الملكي ، وبعد انفجار 17 فيفري ( شباط) 2011 تم إجراء ثلاث عمليات اقتراع وطنية  هي : انتخابات جويلية (تموز) 2012 لتشكيل البرلمان المعروف باسم ” المؤتمر الوطني العام ” ، و تصويت فيفري 2014 حول ” جمعية صياغة الدستور ” ، ثم انتخابات جوان ( حزيران) 2014 لاختيار البرلمان الذي يخلف ” المؤتمر الوطني العام ” ؛ لكنّ الملاحظ في هذا الشأن هو انخفاض أرقام التسجيل و المشاركة بصورة ملحوظة فيما بين كل عملية انتخابية و أخرى ، حيث شارك 62 % من الناخبين المسجلين في انتخابات عام 2012 ، بينما سُجل أقل من نصف هذه النسبة ( الثلث ) لمن أدلوا بأصواتهم في انتخابات فيفيري 2014  أما عملية انتخابات جوان 2014 ، فقد شهدت تسجيل نسبة أقل مع طعن في شرعية الأصوات و مقاطعة الأعضاء المقيمين في الغرب لمجلس النواب مما أدى إلى تشكيل حكومتين منفصلتين ثم حكومة الوحدة الوطنية ، حيث  لم تضمن هذه المؤسسات توجه البلاد نحو الإستقرار و لم ترفع تحدي بناء الدولة .

و بهذا أصبح مطلب تصحيح المسار للبدء في عملية إعادة بناء الدولة الليبية ضرورة ملحة ، و ذلك لن يستقيم إلا من خلال تنظيم انتخابات إذ أنّ إجراء هذه الأخيرة  سيُشكّل في حد ذاته نقلة نوعية ، حيث يَحل الإقتراع السري محل الرصاص وتتمكن الأطراف المتحاربة من عرض أجندتها وتعبئة الرأي العام بطريقة سلمية حرة و نزيهة كخطوة أولية للبدأ في تثبيت و تعزيز قدرة المؤسسات الوطنية ، بغية اضطلاعها بتنفيذ العمليات السياسية التي ستنهي المرحلة الإنتقالية .

لكن العملية الانتخابية الليبية تواجهها معوقات خطيرة قد تقضي على حلم الليبيين الآملين في الاستقرار ، خاصة و أن هناك أطراف داخلية و حتى خارجية تحاول توظيف العنف و التهديد و الإكراه بغية تعطيل مسار العملية الانتخابية ، نظراً لسيطرة حوالي 100ميليشية على المشهد السياسي مع وجود أكثر من 125.000 حامل للسلاح موزعين على أساس مناطقي و جغرافي ، و يظهر ذلك جليا في محاصرة مليشيات حفتر لمحيط محكمة سبها لعرقلة البت في طعن المرشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي و وضع عراقيل غير قانونية من خلال الضغط على رئيس المجلس الأعلى للقضاء  المكلف مفتاح القوي العرفي ، بالإضافة الى تعرض رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح للضغوط من شخصيات ليبية متنفذة .

 كما أن الافتقار إلى الأطر القانونية المتكاملة لتنظيم وتنفيذ انتخابات ناجحة ، بسبب عدم نضج المؤسسات القضائية ، قد أدى إلى محاولة ملء الفراغات القانونية ، باصدار قوانين مؤقتة  كإقرار قانون الانتخابات بتاريخ 4 أكتوبر2021  الذي صادق عليه البرلمان دون تصويت بسبب غياب الحضور و عدم اكتمال النصاب القانوني مما  يشكل اعتداء على الحقوق السياسية للمواطن وعلى مبدأ الفصل بين السلطات ، حيث لا يتناسب صدور هذا القانون مع الديمقراطية التي جوهرها ومبناها السيادة الشعبية  و تمثل المادة 12 من القانون الانتخابي إشكالا حقيقيا كونها نصت على امكانية ترشح مسؤول عسكري و في حال لم ينتخب يعود الى منصبه و هذا بمثابة تجميد مؤقت لمنصب اللواء خليفة حفتر  المتهم باقتراف جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية  في ترهونة ، و الذي نقل قيادة القوات الى الفريق عبد الرزاق الناظوري ، و سيكون لترشح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تبعات سلبية كونه أخل بالاتفاق السياسي ، و بالنسبة لتأجيل الانتخابات البرلمانية بعد شهر من الاعتماد النهائي لنتائج الانتخابات الرئاسية فهو مناورة لإطالة أمد مجلس النواب ، و يفيد اعتماد النظام الفردي للانتخابات بدل نظام القوائم الحزبية  الى إقصاء ضمني للأحزاب المشاركة ، و ما يهدد الإنتخابات المقبلة في ليبيا أيضا هو إمكانية تدخل جهات أجنبية في العملية الإنتخابية من خلال المصادر الخفية  لتمويل أحزاب سياسية و أو مرشحين يكونون على ارتباط بأجندات إقليمية أو دولية تحاول رسم السياسة المستقبلية لهذا البلد ، و هنا ننوه لتوقيع وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا في نوفمبر 2020   لمذكرة تفاهم مع مؤسسة أمنية فرنسية IDEMIA متخصصة في تحديد الهوية البيوميترية بما معناه أن هناك امكانية لحدوث اختراقات معلوماتية ستؤثر على نزاهة العملية الانتخابية .

و في المحصلة النهائية ، يبدو أنّ سيرورة العملية الانتخابية الليبية و العمل على تعطيلها و تأجيلها سيكون محفزا قويا لاندلاع أعمال العنف و العودة الى مربع الحرب الأهلية التي ستكون أشد ضراوة مثلما حدث في بورندي و كمبوديا و اثيوبيا و كينيا و أنغولا ، لذلك فعلى الأطراف المتصارعة في ليبيا التأسيس لعلاقات بناءة و مستمرة لتحقيق التوافق السياسي و الشراكة الوطنية و اجراء انتخابات حرة و نزيهة .  

—————————————————————————————————————- الكاتب: نسيمة عمّوري 

باحثة في تخصص إدارة النزاعات و بناء السلم

جامعة العلوم السياسية و العلاقات الدولية، قسم : الدراسات الدولية -الجزائر  

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button