آخر خبرثقافة ومنوعات

بعد 20 عاما الآلة تتفوق على الانسان وتحبّه

 روزيت الفار_عمّأن 

ماذا لو استيقظت عزيزي القاريء في صباح يوم عادي بعد 20 عاما، ورأيت روبوتا قد أعدّ لك القهوة، ووضع لك الموسيقى التي تحب، وقرأ كل ما تفكّر به، وجهّز لك افضل وسيلة لإتمامه ونجاحه في خلال نهارك؟ وماذا لو انه لو شعر بتعبك، فسارع إلى التفاعل مع جسدك ليعطيك طاقة جديدة؟ او أنه لقنّك الجملة المناسبة تقولها لزوجتك أو حبيبتك كي تمضيا وقتا ممتعا بلا مشاكل و بصحة ممتازة؟

ما عاد كلّ هذا نسجا من خيال، بل إن التطور السريع للعلم وللتبدلات التكنولوجية، أمور تجعل ما كان خيالا سينمائيا قبل سنوات، واقعا ملموسا بعد حين. هذا على الأقل ما نفهمه من أحد عباقرة العلوم المستقبلية التكنولوجية Ray Kurzweil.

عالم المستقبليات العبقري هذا، هو  صاحب أحدث الابتكارات التّكنولوجيّة، الّذي سخّر علمه لخدمة الحاضر واستشراق المستقبل وواكب التّكنولوجيا منذ 60 عاماً وراقب تطوّرها خطوة خطوة بحيث تمكّن من جمعٍ كاملٍ للمعرفة وجعلها أساساً لتوقّعاته نحو هذا المستقبل؛ وشرح تأثيرها على الإنسان، فجاءت مؤلّفاته وتنبّؤاته مدعّمة بأدلّة وموثّقة بأحداث زمنيّة وبراهين علميّة ممّا جعلها بمصفِّ المراجعَ المهمّة والموثوقة في هذا المجال.

يقول في  كتابه “The Age Of Spiritual Machines” “عصر الآلات الرّوحيّة” آنه بإمكان الآلة من خلال تطوّرها المتسارع أن تلحق بالذّكاء البشري وتتساوى معه لا بل وتتجاوزه ويصبح لديها وعي وأحاسيس تحاكي وعيه وأحاسيسه.

يضيف أنّه يمكننا فهم ذلك من خلال فهمنا لقانون الإعادات المتسارعة Law Of Accelerating Returns الّتي تنص على  “أنّ كل تطوّر تكنولوجي يكوّن أساساً يبني عليه تطوّر آخر جديد وبسرعة أكبر، وأنّ هذه العمليّة أمر ثابت ومتكرّر؛ ما يؤدّي بنهايته لخلق أجيال تكنولوجيّة متعاقبة تكون أقوى وأسرع من سابقتها. بمعنى أبسط؛ التّكنولوجيا تتسارع بتطوير نفسها بنفسها. في حين أن التّطوّر البيولوجي لدى البشر بطييء جدّاً احتاج وسيحتاج عشرات آلاف السّنين كي ما يحدث.

معتمداً على ملاحظاته الّتي قام بتسجيلها منذ خمسينات وستينات القرن الماضي؛ أشار الكاتب إلى أن سرعة التّطوّر تتضاعف كل 12 شهراً وأصبحت في الآونة الأخيرة تتزايد طبقاً لقانون الإعادات السّابق. وأنّه بالرّغم من الفرق بمستوى ونوعيّة الذّكاء البشري من حيث المرونة والأحاسيس؛ غير أنّ هذا الفارق سيزول وبأنّه خلال عقدين من الزمن، اي قبل العام  2045 سوف يكون هناك آلات تتفوّق بذكائها على أدمغة البشر بحيث تتمكّن من جذب الدماغ والتّزاوج معه، وستنافس بسعتها سعة الدّماغ وتنقل المعرفة والمهارات الموجودة بداخله لتتّحد بسعتها وسرعتها وقدرة مشاركتها للمعرفة. ويقول بأنّ الطّريقة الوحيدة لمحاكاة سوفت وير الدّماغ هي من خلال عكس عمليّة المسح الهندسي له وهذا أيضاً سيصبح ممكناً.

يتحدّث الكاتب عن عالم لم يعد من الخيال، عن عالم تنعدم فيه الفروقات بين البشر والآلة بل وتندمج النّواحي الحسابيّة والمعرفيّة فيه بالأحاسيس والوعي البشري وسيصبح لهؤلاء البشر أحبّة وأصدقاء وأساتذة وأطبّاء آليين (من غير البشر) أو أنّهم سيعيشون بشكل تام في عالم افتراضي. هو إذاً لا ينظر لهذا نظرة سلبيّة بل يدافع عنه ويقول بأنّه سيكون أحد أسباب رفاهيّة البشر ونهضتهم وسيساهم في التّخلّص من كثير من الأمراض الصّعبة كالسّرطان.

كان يوفال هراري قد أشار في كتابه “الإنسان العاقل” – تاريخ موجز للجنس البشريّ- إلى سعي الطّبيعة البشريّة الدّائم نحو التّطوّر؛ متدرّجاً من نشأة الحياة وظهور أوّل إنسان قبل أكثر من مليوني سنة مروراً بمراحل نموّه وتطوّره عبر الثّورات الثّلاث: الإدراكيّة والزّراعيّة وأهمّها العلميّة (الّتي قامت منذ 500 سنة) وصولاً لما هو عليه الآن. ويقول بأنّ الإنسان لا يزال يسعى للتّطوّر ولتخليد ذاته بجعلها آلهة في المستقبل.

يبدو أنّ كيرزويل كان قد أثبت تلك الفكرة (تخليد الإنسان) لكن على طريقته الخاصّة؛ فمن خلال إمكانيّة الاندماج بين الآلة والدّماغ البشري الّتي يستطيع الفرد بواسطتها عمل مسحٍ لدماغه ونسخ كامل دوائره العصبيّة وتحميلها لداخل الآلة ليصير الاثنان (الدّماغ والآلة) وحدة واحدة، وبما أنّ للآلة -كما هو معروف- قدرة الحفاظ على ما لديها من قواعد معلومات وبيانات وتُحسن عمليّة تخزينها؛ فهي بذلك تكون قد قامت تلقائيّاً بتخليدٍ لهذا الدّماغ.

لكنّ السّؤال يبقى فيما إذا كان الشّخص الّذي دخل الآلة هو ذات الشّخص الّذي يخرج منها.

إنّ احترام العلماء لسجّل كيرزويل الغني بإنجازاته في حقل التّكنولوجيا والاختراعات المتقدّمة؛ كتكنولوجيا “التّعرّف الضّوئي على الرّموز وتحويلها إلى كلام منطوق مسموع” التي أفادت فئة فاقدي البصر في القراءة، وكذلك اختراع نظام “الدّمج الموسيقي” والخروج بما يشبه الآلات الموسيقيّة الحقيقيّة، ومساهماته بتطوير أنظمة تعليميّة كثيرة؛ لا يمنع هؤلاء العلماء من الاختلاف معه بأنّه سيصبح للآلة وعي وإرادة، مهما بلغت درجة التّقدّم والتّطوّر التّكنولوجي الّتي تحدّث عنها خصوصاً بمقدرة الآلة على قراءة وفهم الأفكار المجرّدة وتمييز الأنماط والتّفاعل بالمشاعر والأحاسيس.

بالنّهاية نقول؛ حبّذا لو يركّز الإنسان أثناء تطويره للآلة وللذّكاء الإصطناعي على “الذّكاء” بدل “الاصطناعي” ويبقى البشر يتفاعلون مع بعضهم بشكل طبيعيّ حقيقي يلمسون أيدي بعضهم عند المصافحة ويتعانقون ويتبادلون مشاعر الحب ونظرات العيون الّتي لا يمكن لأيّة آلة أن توفّره.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى