آخر خبرافتتاحية

لبنان المخطوف…والغباء الموصوف

سامي كليب

متى بدأ انهيار لبنان ولماذا؟ يكفي ان تطرح هذين السؤالين حتى تأتيك مئات الإجابات المتناقضة تماما كتناقُضِها حيال التاريخ الصحيح للبنان نفسه. فصراعُ الدِيَكة فوق جثة الدولةغالبا ما  يتفتَّق عن عبقرية خطابية متدفّقة ومقابلات تلفزيونية غزيرة، لا يوازيها إلا ضعف الحجج وافتقار الفكر السياسي وانعدام المصداقية وغياب الضمير. 

ليس ثمة سبب واحد لانهيار الدولة، لكن كل الاسباب تتمحور حول واحدٍ فقط، هو الغباء السياسي المقرون بالتبعية الشعبية العمياء لولا بعض المبصرين الوطنيين وهم قلة في هذا الوطن. 

* الغباء السياسي أقنع الطوائف بأنها قادرة على الانتصار على بعضها، فكان الخارج من استعمار و انتداب و احتلال وأطماع الأشقاء المفترضين، يركبون طائفة لضرب الأخرى منذ أيام المتصرفية حتى اليوم، ثم يعتلون ظهر الطائفة الأخرى لضرب التي ركبوها أولا، ثم يستقرون فوق الطوائف جميعا على عرش الوطن ويخترقون كل مؤسسات الدولة بينما الطوائف تتقاتل بسلاح الخارج لأجل الخارج.

* والغباء السياسي أقنع الجماعات السياسية التي تعاقبت على حكم لبنان، باعتماد نظام اقتصادي-مالي غريب عجيب لا مثيل له في العالم، بحيث لا أحد يعرف أين تبدأ الدولة وأين تنتهي المافيا أو الميليشيا أو المقاطعجية الزعماتية، وسط غابة من المافيا السياسية-المالية التي اعتمدت على اقتصاد مصرفي ريعي وخدمات وهدمت كل ما عدا ذلك . 

* والغباء السياسي أقنع الجماعات السياسية التي تعاقبت على الحكم، بأن لبنان كان وسيبقى قِبلة العرب المصرفية والسياحية والخدماتية والصحية والتعليمية، فنام القوم على ما هُم عليه من وهمٍ، بينما معظم الدول العربية وفي مقدمها الخليج طوّر بنيته العمرانية واحدث نهضة لافتة في كل القطاعات المذكورة، فاستيقظت الجماعة السياسية اللبنانية المغرورة بنفسها إلى حد العمى، لترى أن الوطن بات في آخر قائمة هذه الدول. 

* والغباء السياسي زيّن لجهابذة السياسة بعيد هزيمة العرب عام 1967، أن الوعود العربية المعسولة بمساعدة الفلسطينيين الذين لجأوا الى لبنان منذ نكبة 1948، ستعيدهم منتصرين مظفّرين إلى وطنهم وبيوتهم. وحين استفاقت الجماعة السياسية البريئة في لبنان من سباتها، اكتشفت ان العرب رموا على لبنان هذا الحمل، كما رموا عليه حمل استضافة النازحين السوريين، فناءَ لبنانُ تحت وطأة اهم ازمتين سياسيتين-أمنيتين-اجتماعيتين-اقتصاديتين في القرنين الماضي والحالي. 

* والغباء السياسي الحالي، يعيد التاريخ بأبشع صوره، فيعتقد كل طرف من  الجماعة السياسية اليوم، أنه سينتصر على الآخر بما لديه أو بالخارج، الأمر الذي يجعل لبنان مخطوفا مرتين، الأولى من الجماعة السياسية-المالية الساعية راهنا للقضاء على كل أمل بقيام نُخبٍ مستقلة ووطنية وغير طائفية وإنعاش نفسها حتى لو تحالفت فوق تناقضاتها، والثانية من الخارج ( من المحورين ) الذي لا شك يحلو له اليوم كما في الامس وقبله أن يكون ساسة لبنان مجرّد مطية بانتظار صفقات في الخارج تفيد الخارج، أو حروب يلعب فيها وطن الأرز دور ساحة القتال بلحم شعبه والمنازلة والموت على رقعة الشطرنج الاقليمية-الدولية. 

*هذا الغباء السياسي دمّر الدولة والحياة الحزبية والسياسية وافقر الشعب وقتله، لكن الأسوا منه هو الغباء الشعبي (باستثناء قلة لم ولن تقبل الخنوع). فهذا الغباء الشعبي ترك ويترك القوم انفسهم يتحكمون بإدارة الانهيار كما تسببوا به، وذلك فيما مُدّعو تمثيل الشعب المقهور، والذين لا نعرف تماما من نصّب الكثير منهم بعد انتفاضة 17 تشرين 2019 ناطقين باسمه، يتهافتون اليوم على مساعدات خارجية ويتقاسمون اموال المنظمات غير الحكومية، ويتخاصمون على التنافس الانتخابي الذي قد يعطي جرعة اوكسجين للجماعة الآيلة للانقراض. 

الحل الوحيد، هو بمشروع وطني مدني لا طائفي يحدد بنودا إنقاذية واضحة ويحدد أيضا كيفية وزمن تنفيذ هذه البنود المتعلقة بالإصلاح الداخلي الجذري وبناء الدولة وحماية الحدود، ويختار الرموز الوطنية من قطاعات مختلفة لتقديم هذا البرنامج الانتخابي الموحد، ويطرح لوائح انتخابية وطنية على مساحة الوطن كي ينجح في إيصال نواب وطنيين حريصين على بناء الدولة وليس على إعادة ترسيخ الطائفية بأشكال حديثة.

غير ذلك، سيؤكد الحكمة القائلة: لا وجود لظالِمٍ إلا بقبول شعب بظلمه. والوطنيون اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر. فثمة أملٌ ما زال مُمكنا وسط هذا الجحيم. 

 

 

 

 

 

 

 

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button