آخر خبرمقال اليوم

الريف الصيني معجزة فريدة

 لجين سليمان-الصين 

اعتاد الصينيون على توثيق حالة المناطق التي يقومون بتطويرها، لا سيما بعد النمو الكبير الذي شهدته الصين، ففي الغالب يتمّ أخذ صور ووثائقيات عديدة لأيّ منطقة قبل البدء بتحديثها، كي يدرك الزائر حجم الجهود المبذولة، ولعل أبرز مثال على ذلك هو الريف الصيني بين الماضي والحاضر، فهو معجزة صينية حقيقية تفوقت على كل المعجزات السابقة، وقد كانت لي فرصة زيارته في الأيام الماضية وأنقل لكم بعض وقائعه. 

كان كاتب أجنبي قد كتب مقالا قبل سنوات نُشر في صحف الصين يقول فيه  ” رأيت الجبال تحاصر السكان وتحشرهم في مساحات ضيقة مسطّحة صالحة للزراعة وبيوتا أشبه بالكهوف، ولكي أصل إلى قرية فوق الجبل، تمّ وضعي على نقّالة حملها رجال على أكتافهم، وفي الطريق خلال الزيارة، انفجر إطار السيارة أكثر من مرة بسبب الحصى والصخور المفتتة فوق الدروب الجبليّة”

الواقع أن هناك في الأرياف البعيدة حيث كان السكان الريفيون يعيشون في شبه عزلة تامة، لم تكن أجهزة اتصال ولا تواصل ولا طرقات ولا خدمات كثيرة، أما اليوم فإنّ الأمر مختلف تماما، وخلال جولتنا الى إحدى الأرياف الصينية كان كلّ شيء ساحراً، فبدت الحقول المزروعة بأنواع مختلفة من النباتات أكثر تنظيما، والبيوت الريفية الصغيرة المبنيّة حديثا تنتشر في كل مكان وهي مخصصة فقط لأبناء الأرياف بغية تشجيعهم على البقاء فيها والاهتمام بالأرض والزراعة وللحفاظ على الطابع الديموغرافي للمنطقة. وقد صارت هذه المنازل مجهّزة بكل الأدوات الحديثة بما فيها الأجهزة الذكية.   

وتنظيم الزيارات الى هذه الأرياف مدهش بدقته، فقد بدأت زيارتنا بمشاهدة  فيلم وثائقي يظهر الفرق بين ما كان عليه هذا الريف قبل عام 2017، حيث كان الفقر سمة غالبة، مع طابع ريفي قديم، لا يقدّم للبلاد أيّ نوع من المساهمة في بناء الاقتصاد، وما أصبح عليه اليوم من خدمات وتقدّم وازدهار.

لم يقتصر الأمر على زراعات منظّمة، أو منازل ريفية جميلة، بل تمّ إنشاء مركز مخصّص للتنبؤ بالحالة الجوية، وبُنيت تجهيزات تعمل على طاقتي الشمس والرياح، تلتقط الإشارات من الخارج وترسلها إلى المركز الرئيسي، لتُعلِم الفلاحين ليس فقط بسرعة الرياح، ودرجة الحرارة، بل  أيضا بكمية المياه التي تحتاجها الحقول للري.

لم تكن التجهيزات الريفية المتعلقة بالزراعة هي الوحيدة التي تشهد على تطور هذا الريف،  بل صُمّمت شبكة جسور ضخمة، لتربط مختلف أطراف الريف ببعضها، هذا بالإضافة إلى طرقات معبّدة، ليس فقط بين السهول، وإنما حتى الوصول إلى أعالي الجبال، حيث تنتشر حقول البرتقال.

كلّ ما يحتويه هذا الريف من تطوّر، لا يعني تحويل المناطق الريفية إلى بلدات، فما تمّ إنشاؤه يشبه تماما ما كتبه “لو يي لونغ” الأستاذ في مركز بحوث النظرية والطرق للعلوم الاجتماعية  حول تحديث المناطق الريفية والذي لن يكون بمثابة “التحضّر” لأن “قوة التوسع الحضري ستلعب دورا معينا في عملية التحديث الريفي، خاصة وأن التنمية الريفية من الممكن أن تستفيد من تجربة التوسّع الحضري، كما أن تحديث أنماط الحياة الريفية يمكن أن يستفيد أيضا من الإنجازات المتقدمة للتحضر”

كل ما سبق يؤكّد على الفكرة الصينية المتعلّقة بتحديث الريف، والتي مفادها أن الحفاظ على بقاء المجتمع الريفي، لا يعني الابقاء على القرى دون تغيير، بل هو خلق بيئة اجتماعية واقتصادية، لتحقيق حالة من الانسجام والتكامل مع المجتمع الحديث.

أرقام

شهدت الصين المرحلة الأولى لمكافحة الفقر في مناطقها الريفية من خلال إصلاح نظام الأرض الزراعية وتحسين المنشآت التحتية وتطوير التعليم والصحة وتعميم التقنيات الزراعية وإقامة منظومة الضمان الاجتماعي، فانخفض عدد سكان الريف الذين يعيشون تحت الحد الأدنى للغذاء الكافي واللباس الدافئ بنسبة  50% وذلك خلال الفترة الواقعة بين عامي 1949 والموافق لتأسيس الصين الجديدة والعام  1978 حيث بدأت سياسة الإصلاح والانفتاح.

وأما خلال الفترة المخصصة لتنفيذ الخطة الخمسية الرابعة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية (2021- 2025)، فسوف تركز الصين على تعزيز نهضة الأرياف بشكل شامل بدلا من تركيز الموارد لدعم التخفيف من حدة الفقر. كما انخفض عدد سكان الريف الذين يعيشون تحت خط الفقر من 770 مليونا في عام 1978 إلى حوالي الـ 30 مليونا في نهاية عام 2017، أي أن  740 مليونا ما عادوا فقراء. 

كذلك ارتفع نصيب الفرد من الدخل السنوي القابل للتصرف لسكان الريف في الصين من 134 يوان عام 1978 إلى 13 ألفا   في عام 2017، وزاد مستوى الدخل قرابة 100 مرة خلال 40 سنة.

كانت السياسة الصينية الاقتصادية وما تزال قائمة على فكرة الارتقاء بنشل الضعفاء والفقراء من ضعفهم وفقرهم، وكان لا بد من التوجّه باستراتيجيات وخطط واسعة لإنقاذ الأرياف وتطويرها وجعلها جاذبة للسكان لا طاردة لهم صوب المدن الكبرى، وهو ما ساهم في رفع مستوى حياة الريفيين وفي تسريع عجلة الحركة الاقتصادية في البلاد. وباختصار فما عاد الريف خاصرة رخوة للصين بل هو مقبل ليكون رافدا أساسيا في الخطط الاقتصادية والاجتماعية المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى