ثقافة ومنوعاتشباب 20

هكذا نجحت ايسلندا في مكافحة تلوّث المناخ

روزيت الفار-عمّان 
حول التّلوُّث الجوّي ووسائل تجنّب كوارثه على العالم؛ نشرت مجلة The Economist البريطانيّة بتاريخ 27/9/2021 مقالاً مفاده أنّ هذه الوسائل تتلخّص ب:

  1. التّقليل من الانبعاثات الكربونيّة بالجو أو امتصاص أكبر قدر منه.
  2. التّكيّف مع التّغيير المناخي.
  3. السّير باتجاه التّوصّل لاتّفاق بشأن المناخ ووضع سياسات عالميّة وقوانين مُلزمة لتطبيقها.

نبحث في هذا المقال ما قامت وتقوم به دولة آيسلندا بهذا الشّأن حيث تعتبر -وبالرّغم من صغر حجمها وعدد سكّانها، الّذي لا يتجاوز ال320 ألفاً- من الدّول الرّائدة الّتي تسعى لتخليص العالم من أهمّ الملوّثات البيئيّة وهي الكربون النّاتج من الأنشطة البشريّة ومنها حرق الوقود الأحفوري Fossil fuels (النّفط والغاز الطّبيعي والفحم الحجري) الّذي يبقى بالغلاف الجوّي لآلاف السّنين ويحبس الحرارة إلى ما قد يصل إلى مستويات مرتفعة تتجاوز الحدّ الآمن الّذي تصلح عنده الحياة ويدفع نحو تغيير المناخ الّذي يتسبّب في كوارث جسيمة تطال جميع الكائنات وأهمّها البشر وتهدّد نوعيّة الحياة الصّحيّة بل تهدّد استمراريّة الحياة برمّتها؛ بدأت هذه الظّاهرة تتّضح الآن حيث وصل تركيز ثاني أكسيد الكربونCO2  في الغلاف الجويّ للأرض في نيسان 2021 معدّل 410 أجزاء في المليون -حسب مرصد ماونا لوا في هاواي- الرّقم الّذي يتزايد باضّطراد مقلق حيث كان في العام 2014 فقط 400 جزء في المليون؛ أي أنّه ارتفع بنسبة 10 بالمليون خلال 7 سنوات فقط. وقال المرصد أنّه قبل الثّورة الصّناعيّة لم يكن هذا المعدّل ليتجاوز فقط ال300 جزء في المليون.

نشطت مؤخّراً حركة جادّة تعمل لصدِّ هذه الكارثة وأهمّها -وبالرّغم من المساهمة البسيطة- في آيسلندا حيث تمّت إقامة أكبر منشأة للطّاقة الخالية من الكربون في موقع يبعد مسافة 20 دقيقة عن العاصمة ريكافيك وذلك باستخدام الصّخور البركانيّة والموجودة لديها والاستفادة منها كمصدر طبيعي في حماية البيئة.

كيف يتمّ ذلك؟

يقوم عمل المحطّة -وكما جاء بفيديو لوثائقيّ بُثَّ على موقع Vice البريطانيّ بتاريخ 1/10/2021 (أي قبيل أيّام)- على عمليّة امتصاص ثاني أكسيد الكربون (CO2) الموجود بالجو وإذابته بالماء؛ يتمّ بعدها دفعُه أو ضخّه داخل الأرض لعمق قد يصل الألف متر وهناك يتم تفاعله مع العناصر المكوّنة لصخر البازلت الطّبيعي، وبناء على قانون الكيمياء في التّفاعلات الكيماويّة فإنّ المياه الكربونيّة الّتي تمّ دفعها تكون أثقل وأكثر كثافة ممّا يحيطها؛ وبالتّالي فإنّها سترسو بالقعر وينتج عن التّفاعل الحاصل عناصر مثل المغنيسيوم والكالسيوم والحديد يتّحدون بدورهم مع ثاني أكسيد الكربون المذاب وينتج عنه مواد صلبة تملأ جميع المسامات الموجودة في الصّخور وتصبح جزءً من تشكيلاتها ومكوّناتها وتبقى مندمجة على مدى السّنين. وبصورة مبسّطة جداً هي عمليّة امتصاص ثاني أُكسيد الكربون من الجو وتخزينه بالصّخر.

فإذا كان بمقدورنا استخدام تلك الطّريقة حول العالم فإنّنا بذلك نساهم في تحييد الكربون ومن ثَمَّ جعل العالم خالياً منه في الثّلاث عقود القادمة.

وشمل الوثائقي بيانات تفيد بأنّه تمّ ضخ 72267 طن من ال CO2 إلى داخل الأرض منذ 2014.

ويقول اولافور غريمسون، الرّئيس السّابق لآيسلندا والمسؤول الحالي عن الدّائرة الفنيّة للمشروع، بأنّه يمكن نقل هذه التّجربة لجميع دول العالم وخاصّة أنّ صخور البازلت البركانيّة متوفّرة لديها جميعها، ودعا الى إقامة المزيد والمزيد من تلك المحطّات للوصول للنتائج المرجوّة.

وافتتحت آيسلندا محطّة للوقود الهيدروجيني بدلاً من الوقود الأحفوري كخطوة أولى نحو مجتمع خالٍ من الملوّثات الكربونيّة. لكن تواجه هذه التّجربة تحدّيات صعبة كارتفاع تكلفة الإنتاج ومشاكل التّخزين والتّوزيع.

بالنّهاية نقول بأنّنا بقينا منذ عقود وما زلنا نحارب التّلوّث الجوّي لكن للأسف نراه يزداد يوماً بعد يوم، لا لشيء بل لأنّ تجاربنا غير جادّة أو كافية، فما لم نقم نحن البشر بتغيير أنماطنا الحياتيّة وسلوكنا ونحترم الطّبيعة ونستبدل الوقود بالطّاقة المتجدّدة وأن نبني أنظمة فاعلة وأن تضع الدّول الكبرى هذه القضيّة ضمن أولويّاتها عند رسم سياساتها العريضة؛ سوف لن نجنِ أيَّ ثمار. ويجب أن تعترف جميع المنشآت الصّناعيّة العالميّة الضّخمة بمسؤوليّتها عمّا يحصل وتوقف سلوكها الخاطىء وتلتزم بالعمل على إيجاد عالم نظيف ومستقبل بيئيّ صالح للعيش به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى