مفيد الديك
يوم 8 الجاري، أجرى المغرب انتخاباته النيابية والجهوية (المحلية) بمشاركة شعبية ناهزت نسبة 50%، وهي نسبة محترمة حتى بمقاييس أكثر الديمراطيات مشاركة انتخابية. ومثلت نسبة المشاركة تلك زيادة بلغت حوالي 8% عن نسبة المشاركة الانتخابية في الدورة الانتخابية السابقة في العام 2016، إذ كانت 42%.
المفاجأة الكبرى في قراءة نتائج الانتخابات المغربية الأخيرة كانت الهزيمة الماحقة للحزب الإسلاموي الذي كان يسيطر على الحكومة المغربية على مدى السنوات العشر الماضية، وهو حزب العدالة والتنمية. فقد حصل هذا الحزب على 12 مقعداً، وجاء في ذيل قائمة الأحزاب المغربية التي فازت في هذه الانتخابات. هذا الحزب كان قد فاز في العام 2016 بـ 125 مقعداً، وبـ 107 مقاعد في العام 2011، وكان فوزه في الانتخابين متقدماً أهله ليشكل الحكومة المغربية خلال الدورتين البرلمانيتين. السابقتين.
هكذا كانت نتائج الانتخابات المغربية الأخيرة:
النتيجة الأهم في ما سبق هي الهزيمة المدوية لحزب العدالية والتنمية الإسلاموي، ولا أسوق ذلك شماتة وإنما تأكيدا لحقيقة ليس إلا. أنا شخصيا لست مغرما بالخلط بين الدين والسياسة، وبالتالي لست مغرما بالأحزاب الدينية، ولا أستطيع شخصيا أن أعيش لحظة واحدة في دولة يحكمها حزب ديني، بغض النظر عن الحزب أو الدين. لندع الدين جانبا ونمارسه كل بطريقته التي تناسبه، إنما ضمن القانون. ولندع السياسيين يركزون على القضايا السياسية التي يعتقدون أنها تهم مواطنيهم، كما الحال في الديمقراطيات الليبرالية.
ولكنني مع ذلك أول من يدعو ويدافع عن حق كل الناس، بمن في ذلك التيارات الإسلاموية، في المشاركة في الحياة السياسية، كمرشحين أو ناخبين. إذا لا يعني منع الأحزاب الدينية – كأحزاب دينية – من المشاركة في الحياة السياسية أبدا منع هذه الأحزاب أو التجمعات السياسية التي لها لون ديني معين من المشاركة في الحياة السياسية. بل يجب السماح لها بذلك ما دامت تلتزم بالقوانين التي تضعها الدولة لجميع الأحزاب، والتي يكون المجتمع قد اتفق عليها بطريقة ديمقراطية، مثل إجراء استفتاء عام مثلا. ويجب ألا نضع قوانين للأحزاب الدينية وقوانين أخرى لبقية الأحزاب، بل يجب أن تُعامل الأحزاب ذات التوجهات الدينية بالتساوي الكامل مع بقية الأحزاب الأخرى في الساحة السياسية. ولندع الأفكار والبرامج تناطح الأفكار والبرامج الأخرى، ولندع الجمهور ينتخب من يشاء ويتحمل نتائج قراره.
استبعاد التجمعات السياسية في أي بلد، سواء كانت دينية أو غير ذلك، سيحول هذه التجمعات إلى ضحية، وهو ما سيزيد من شعبيتها غالبا، لا إلى إخماد جذوتها. ثانيا، يؤدي ذلك إلى حرمان شريحة من الناس في المجتمع من اختيارها ممثلين لها في برلمان الدولة يمثلون مصالح وطموحات هذه الشريحة، وهو ما سيكون عيبا مشوها للحياة السياسية في البلد. ولعل الأهم من ذلك هو أن حرمان تيار أو جماعة سياسية من المشاركة السياسية يمكن أن يدفع بعضا من ممثلي أو قيادات أو ناشطي هذه المجموعات إلى النزول تحت الأرض والعمل السري، وربما، وهو الأخطر، إلى سلك طريق العنف ضد الدولة والمواطنين.
الدرس الذي يجب أن يتوقف كل العرب عنده ويتعلمه بأناة في تجربة الانتخابات المغربية الأخيرة هو أنه كما جاء الإسلاميون إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع في دورتي انتخابات 2011 و2016 رحلوا عن السلطة أيضا بصندوق الاقتراع في العام 2021، وليس بتخوين هذه المجموعة أو شيطنتها أو بإطلاق صفة الإرهاب عليها وقتل عشرات الآلاف من أعضائها وناشطيها وسجن من تبقى منهم، كما حصل في بعض الدول العربية. إحدى الحجج التي ساقتها بعض الأنظمة في هذه المنطقة، بل حتى والقوى الليبرالية التي وقفت مع هذه الأنظمة في إلغاء شرعية القوى الإسلامية هو أن الأحزاب السياسية الإسلاموية تريد المشاركة في الانتخابات لمرة واحدة، أي المرة التي تفوز فيها بالانتخابات، وأنها بعدها لن تخرج من السلطة. هذا هراء، والتجربة المغربية الأخيرة توفر الدليل القاطع على ذلك. فقد اعترف الحزب الإسلامي الذي خسر الانتخابات بهزيمته وخرج من السلطة بسلام. واعترافا بهذه الهزيمة، استقال كل أعضاء الأمانة للحزب، بمن فيهم رئيسها سعد الدين العثماني. هذا هو التداول السلمي للسلطة. لم يضطر الجيش للتدخل، ولم تكن هنا حاجة لا لقتل عشرات الآلاف ولا سجن عشرات الآلاف الآخرين ولا لتجريم هذا الحزب، أو ذاك أو إطلاق هذه الصفة أو تلك عليه. هم فازوا بالصندوق وخسروا بالصندوق.
حزب العدالة والتنمية فاز في انتخابات العامين 2011 و2016 بأكثرية المقاعد في البرلمان المغربي، وقد احترم الملك المغربي ذلك وكلفه بتشكيل الحكومة مرتين. ولكن هذا الحزب فشل فشلا ذريعا ومدويا وتاريخيا في الانتخابات الأخيرة. السبب في ذلك ليس لأن الدولة وقفت ضده ولا لأنها شيطنته ولا لأنها أطلقت عليه كل اوصاف الإرهاب أو التجريم أو غير ذلك، بل لأنه وصل إلى الحكم، ومارس الحكم فعلا، ثم فشل في الأداء. هذا هو باختصار ما حدث. وربما تعود خسارة حزب العدالة والتنمية المغربي لأسباب عديدة لا يتسع المجال لشرحها في هذه المقالة، ربما أهمها عدم مقدرته على حل المشاكل الاقتصادية والمتاعب الاجتماعية التي يُعاني منها الشعب المغربي، الذي يتطلع لتحسين ظروفه الحياتية.
وربما ساعد في هزيمته أيضا بعض مواقفه السياسية، خصوصا تخليه عن سياساته المبدئية في التعامل مع القضية الفلسطينية وقبوله بصفقة ترامب الثلاثية الذي بادل فيها ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالصحراء المغربية باعتبارها جزءاً من التراب المغربي، مقابل اعتراف المغرب بإسرائيل وتطبيع علاقاته مع إسرائيل.
دعوني أذكركم، أصدقائي، بتجربة قريبة هزمت فيها الديمقراطية التطرف والغوغائية، بل والعنف المسلح، بدون سلاح وبدون شيطنة وبدون تخوين. دونالد ترامب وأنصاره كانوا ربما أسوأ من أي حزب إسلاموي أعرفه في هذه المنطقة. ترامب وأنصاره، خصوصا بعض أتباعه من الرعاع العنصريين، كانوا مستعدين لإثارة الفوضى وقتل الآلاف في مبنى الكونغرس في يناير الماضي والتغول على النظام الديمقراطي كله، الذي هو الأقدم في العالم، كل ذلك من أجل الإبقاء على ترامب في السلطة. فشل كل ذلك، وهُزم ترامب وانتصرت الديمقراطية. جاء ذلك للأسباب التالية:
هذه العوامل الأربعة تآزرت لإنهاء تمرد ترامب وإنهاء اشتطاطات الرعاع من أتباعه. ولكن لم تُرق نقطة دم (سوى الذين قتلهم الغوغاء أو السيدة التي قتلتها الشرطة لتقريرها أنها كانت على وشك أن تقوم بعمل عنيف.) ولم يتم تجريم حزب ترامب أو إطلاق الأوصاف الإرهابية عليه. فالشرطة اعتقلت من ارتكبوا المخالفات ضد القانون فقط، وهم سيلقون محاكمة عادلة، وينتهي الأمر. وتبقى الديمقراطية رغم أنف ترامب وأتباعه. وهكذا أيضا ستبقى الديمقراطية النيابية المغربية قوية، ناصعة، فاعلة ومحترمة. شكرا للمغرب!
أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…
Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…
سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…
Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…
مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…
سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…