ثقافة ومنوعات

روايتان من المغرب والجزائر تجتازان الزمن

ديانا غرز الدين

سار الفنُّ والإبداع والثقافة والأدب في اتجاه واحد لعقود طويلة عند العرب، اتجه من المشرق الى المغرب، فعرف المغاربةُ كثيرا عن فنوننا وحفظوا أسماء كتّابنا وأدبائنا وفنّانينا ومثقفينا ومفكرينا، ولم نعرف الكثير عنهم. ثمة أسباب كثيرة تُساق حول ذلك، لعلّ أبرزها، الاستعمار، وأسبقية الاعلام والتلفزات والإذاعات في المشرق، ولعلّه الجهل أو التجاهل، فلم نكتشف الا متأخرين عمق الثقافة وعراقة الفنون وبديع الادب المغاربي…  ومنه أخترت لكم اليوم روايتين قديمتين، ولكنهما حاضرتان دائما في كل الفصول، وعابرتان دائما كل العصور، وصامدتان دائما في وجه كل التقلّبات أحببتهما

الرواية الأولى : الخبز الحافي

يُعتبر محمد شكري من اشهر الكتاب المغاربة في القرن العشرين، ولد عام ١٩٣٥ و توفي ٢٠٠٣ .  كتب روايته “لخبز الحافي” عام ١٩٧٢ و هي من اشهر رواياته التي تُرجمت الى معظم لغات العالم، والمفارقة أن أحد أسباب شهرتها بالإضافة الى فرادة مضمونها وعبقرية اسلوبها، يكمن في أنها لاقت انتقادات كثيرة و رفضت من جميع نقاد الادب العربي.  فهي اثارت عاصفة و جدلا كبيرين بسبب تطرّقها الى مواضيع محرّمة و مخالفتها تقاليد المجتمع العربي.

تكشف رواية ” الخبز الحافي” خفايا كثيرة عن المجتمعات السُفلية القابعة تحت الجهل والعوز و الفقر. هي سيرة ذاتية للكاتب الامازيغي الاصل واللغة تصف معاناته من طفولة مقهورة بسبب والد قاس وظالم وعنيف ومنحرف ومدمّر لحياة ابنائه روحيا واخلاقيا. فقد قتل الوالد العنيف ابنه الصغير خنقا بسبب كثرة بكائه من الجوع. وإُدخل السجن بسبب الهروب من الجندية، بينما والدة محمد شكري كانت تسد جوع العائلة من خلال ما تتقاضاه من بيع الخضار والفاكهة.

” اضربه و العنه في خيالي، لولا الخيال لانفجرت “، يقول محمد شكري في روايته عن والده، ويصف حاله في تلك المرحلة من الحياة المغربية الخارجة لتوّها من تحت نير الاستعمار الأوروبي والغارقة بالفقر والعوز :” انا أكلت من القمامة و نمت في الشوارع، فماذا تريدون ان اكتب عن الفراشات؟ “

بدأ الكاتب بالعمل باكرا قبل سن العاشرة. عمل  في مقهى ثم حمالا ثم بائع جرائد فماسح احذية ومهربا للسجائر. عاش حياة مزرية ضائعة بين رغبات جنسية و تحديات العمل. قضى جُلّ وقته في التسكع بين المواخير و السجون. عاش الرذيلة من حشيش و دعارة و هو بعد صبي و مارس السرقة و الشرب و البغاء. وصف انحرافه الاخلاقي الذي ولّده الفراغ الروحي والاسري و سببّه الفقر الامية، وصفا دقيقا غاص في كل تفاصيل القهر والمتعة.  دخل المدرسة أميّاً بعد سن ال ٢٠ وتخرّج منها معلما وتفرّغ بعد تقاعده للتأليف والادب. لامست كتاباته المحرمات وعرّت الكثير منها، فتم منع نشر الرواية في كثير من الدول العربية حين تُرجمت الى لغة الضاد عام ١٩٨٢ اي بعد عقد على صدورها باللغات الاجنبية.  أبرز مؤلفاته: وجوه. مجنون الورد. غواية الشحرور الابيض.

الرواية الثانية: ريح الجنوب

 هي اول رواية جزائرية مكتوبة بالعربية، ومثّلت النشأة الجادة للرواية الجزائرية  الحديثة .  اسمها ” ريح الجنوب” كتبها الروائي عبد الحميد بن هدوقة( ١٩٢٥_١٩٩٦)  عام ١٩٧٠ و صُنفت ضمن افضل ١٠٠ رواية عربية.  هي تصوّر واقع اجتماعي بكل تناقضاته وصراع ايديولوجي بين عالمين ( المدينة و القرية)  و جيلين ( الاهل و الابناء ) و بين جيل الثورة و جيل الاستقلال اللذين عاشهما المجتمع الجزائري و خاصة طبقة الفقراء و الفلاحين في صراعهم للحفاظ على الارض ضد الطبقة الاقطاعية التي هي من صنع و مخلفات الاستعمار الاجنبي.

رواية ” ريح الجنوب” عبارة عن نقاش وبحث عن الذات التائهة في الفترة التي اعقبت خروج المستعمر بعد فترة استعمارية طويلة جدا دامت قرابة ١٣٢ عاما و تركت بعدها الجزائر محطمة و ملأى بالخراب.

عُرف الكاتب بنضاله ضد المستعمر الفرنسي و بالتزامه خدمة قضايا المجتمع  عبر مساندة القيم الثورية الاشتراكية الداعية الى الاصلاح الزراعي و الغاء الاقطاعية و توزيع الاراض بشكل متساو على الافراد. كتب هذه الرواية للتعبير عن موقفه من صاحب الارض الذي لا يتوانى عن اللجوء الى اي حيلة من اجل الحفاظ على املاكه حتى لو ادى ذلك الى اجبار ابنته على ترك دراستها و الزواج من شيخ البلدية الشاب الثوري الذي حارب الاستعمار و الذي يقوم بتأميم الاراضي.  ترفض ابنته هذا الزواج و تعارض البقاء في القرية، و هي تعيش صراعا نفسيا سببه التباين الحاد بين عالمها المتحرر و المنفتح و الزاخر بالنشاط و الحيوية في المدينة حيث تدرس و بين حياة القرية البدائية الرتيبة حيث تقضي عطلتها الصيفية ، و التي تفرض على اهلها عيش حياة قحط و عوز و فقر.  تجد نفسها هي الفتاة الثائرة مقيدة بعادات و تقاليد تافهة لمجتمع لا يعرف غير الصلاة و الموت. كما تعاني من الهوة التي تفصل بينها و بين اهلها في نظرتهم الى الحياة و تسلط الاب و عدم جدوى تعليم المراة ما دامت ستنتهي الى الزواج و الاهتمام بالبيت .

أ”أكاد اتفجر، اكاد اتفجر في هذه الصحراء” تقول بطلة الرواية، ” حتى النوم لا استطيع ان انام، ليتني لو نمت حتى تنقضي هذه الشهور، كل شيء هنا يحرم الخروج، حتى الشمس”

هي رواية جميلة تمتاز بهدوء و بساطة السرد ،  كهدوء و بساطة حياة ابناء الارياف ..

شغل مؤلفها عدة مناصب مرموقة في القطاع الثقافي .

وأبرز مؤلفاته: ظلال جزائرية.  نهاية الامس.  بان الصبح.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button