مقال اليوم

أنا وجسدي والعيد: سيادة من تحت الركام

أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية)

في ذلك الصباح، لم يكن العيد يطرق بابي كزمن مقدّس، بل كطقس جسدي وروحي، واختبار شخصي لتجديد يليق بالحياة، واستعادة المعنى من داخل الجسد: حمام ساخن، بشرة أنعشتها المياه، ألوان تليق بيوم جديد، وتسريحة شعر مختلفة كما الحياة عندما تُختصر بلحظة ولادة. لم أنتعل الكعب العالي هذا العيد، بل اخترت حذاء رياضيا يساعدني على القفز فوق الركام للوصول الى منزلي الذي لم يمضِ على ترميمه سوى شهر واحد قبل قصف عمارتنا الأسبوع الماضي، فقد تحولت أحياؤنا الى أنقاض لا يليق بها مشية متأنّقة.

ارتديت ثوبي وأنا أعي أن ما يلامس جلدي هو أكثر من مجرد قطعة قماش تحاكم بها النساء؛ إنه امتداد لمعنى أعمق يبوح لي من الداخل إنني ما زلت أملك الاختيار في هذا العالم المضطرب. حيث أصبح الجسد، الذي تعرض لكل أشكال الخوف والانكماش والتشظي، المساحة المتبقية لإعادة تعريف الذات.

لن أنتظر حياة مؤجلة، ولن يكون جسدي مجرد ضحية، أو مجرد نجاة. لن أختزل نفسي في حزن مفروض، أو انتظار، أو رثاء، أو رقما حُذف من قوائم الحياة. إنها لحظة تثبيت المعنى في وجه العدم، وسيادة الجسد ومقاومة اختفائه تحت الركام. إنه عقد داخلي مع جسدي بعد أن فشلت عقود الخارج في حمايته، فاتفاقات الخارج لا تخصّني في هذا اليوم، فهي ليست سوى ميدان للعبث السياسي والموت المجاني.

انطلقت من بيروت مستندة إلى “يوم مؤجّل” منحته لي جامعتي، ولكن الأهم، مستندة إلى فكرة جديدة عن الحياة. خرجت في ظل “اتفاق وقف إطلاق نار”، لا يفهمه سوى من خبر الحروب الإسرائيلية الجديدة، تلك التي تنسحب دون أن تغادر، وتترك الحرب كظِلّ لا يفارق المكان.

لم تكن الرحلة مجرّد عودة روتينية إلى مدينتي صور، بل عودة إلى الذاكرة الجمعية التي يحاول الخطاب السياسي محوها واستبدالها بسرديات لا تشبهنا. في زمن تتآكل فيه السيادة وتتحول السياسات إلى أقنعة هشة، وتصبح السلطة وهمًا إداريًا لا يقي من القصف والاحتلال، يبقى الناس، الجيران، هم وحدهم من يعرف كيف يبدأ إعادة الإعمار والترميم من الأسفل: يصبح اللقاء مع الجيران فعلًا سياسيًا لا يقلّ عن أي مقاومة: من شق جدار، من فنجان قهوة، من نظرة جار يقول لك: “كل عيد وأنت بخير” رغم سقوط معنى العيد من الطوابق الثلاثة الأولى.

 نحن لا نتذكر فقط، بل نعيد ترتيب العالم من الأسفل، من الأحاديث البسيطة، من الخبز الذي تقاسمناه ذات صباح، من الزيتون، من الضحك على درجنا القديم، من بحر صور الذي شربنا منه جميعًا. هذا ما أردت تأكيده هذا العيد، إننا ما زلنا نملك شيئًا لا يمكنهم مصادرته: الذاكرة الحيّة، المائدة المشتركة، العناق الذي لا يحتاج إلى إذن. هذه ليست طقوس فارغة، بل إعادة تعريف ذواتنا خارج مصطلحات الاختزال، خارج فكرة “الضحية” و”النجاة”، خارج التقسيم الذي يريد تمزيق حتى شكل الفرح في داخلنا. هذا اليوم لم يكن مقاومة للحرب فقط، بل إعادة بعث لمعنى أن نكون بشرًا، نملك قصصًا صغيرة، وحكايات حبّ، وذكريات لا يمتلكها أحد سوانا.

هكذا وجدت نفسي أصل إلى الحي الذي تصدّع بالأمس، أجرّ طرف فستاني بين الركام، خطواتي تعاند الحجارة، وتتعثر بذاكرة متكسّرة. كانت الزينة معلقة على شجر محترق، وكعك العيد هذه المرة يُقدّم فوق أنقاض طاولة مخلّعة. وكل ذلك لم يكن مشهدًا استعراضيًا، بل بيانًا رمزيًا ضد الروايات الزائفة: “نحن لسنا أهدافا عسكرية”. نحن جيران، عشاق، أمهات، أصدقاء، طالبات وطلاب جامعات، ونساء يناضلن من بين الأنقاض.

حين وصلت إلى المبنى، استقبلني جاري بكلمات لم تكن ترحيبًا، بل مرآة للانكسار:

“الهدف كان مسؤول… ما حدا توقّع يستهدفوا عمارتنا”

سألته: “مين هو المسؤول؟”

أجاب: “الذي أطلق الصواريخ على إسرائيل الأسبوع الماضي”

أعدت السؤال: “وهل قُتل في عمارتنا؟”

أجاب: “لا، قُتل في هدف آخر، بس للأسف، جيراننا راحوا بالغلط”

بالغلط، حقا؟

ردّ: “هيك بيقولوا… إسرائيل بدها تخلّص كل أهدافها”

أجبته وأنا أغادر: “إسرائيل، من قبل أن نولد، تستهدفنا وتقتلنا ونحن على مائدة الإفطار ونحن ننشر الغسيل، كما استهدفت جيراننا الأسبوع الماضي، وهذا هو هدفها…أن نصدق روايتها…ويبدو أنها تنجح”

غادرت متعثّرةً بالحجارة، لكنني كنت متعثّرة أكثر بالأسئلة: ما معنى “هدف”؟ وكيف تستمر الأهداف في زمن الاتفاقات ؟ ومن يُسمّي القتل خطأ؟ من يمنح رواية العدو شرعية على لسان الجيران؟ كيف جففت سرديات الحرب روابطنا اليومية وانتزعت الصفة الإنسانية عن شهدائنا ؟ كيف أصبح الخطاب السياسي يُنتج صورًا نمطية تُمهِّد لتبرير القتل؟ كيف صرنا أدوات في مشروع محو جماعي؟ كيف نسمح بتسمية الجار “هدفًا” وإنكار وجوده كشخص وإزالة ذكراه من نسيج المجتمع؟

صعدت السلالم الى الطابق السابع، الشحبار علِق في فستاني، وذكريات الجيران الشهداء اخترقت روحي، وكأنها محاولة لاستعادة انسانيتهم ومنحهم الاعتراف الذي سلبته منهم لغة الحرب. بدأت أتذكر جارتي ليس كهدف، بل بصباحاتنا المشتركة، وأطفالها، ونضالها لتربيتهم. وجاري الذي أذكره كأب وصديق ومغترب، وبعشقه لمدينة صور التي كان يغني لها أغنيتي المفضلة وهو يرتاد بحرها يوميا:

” يا صور على بالي ترجعلي الأيام…

والسهر والليالي والهوى والأحلام….

وبحبك ….رح ضلني حبك،

على طول….يا صور… رح ضلني بحبك.

الحب والأعياد صاروا عنا بعاد،

والسهر والضحكات صاروا ذكريات،

وأن بعدني الزمان رح ضلني حبك،

وإن نسيتني الأيام يا صور بحبك.”

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button