ثقافة ومنوعات

مالك بن نبي: عندما تغيب الفكرة يبرز الصّنم.

عزالدين ميهوبي

هو من قال إنّ هناك أفكارًا ميّتَة وأفكارًا مُمِيتَة، idées mortes, idées mortelles    أي  أنّ هناك من الأفكار ما انتهتْ صلاحيتُهُ، وضرره كبيرٌ بل ومُميت، وأنّ هناك من يسعى لتكريسه بالإكراه، أي أشبه بمن يتناول دواءً منتهي الصلاحية فيموت، وهناك من يسعى لإكراهِ المجتمع على قبول أفكار مُميتة بل وقاتلة، ليستْ من روح المجتمع ولا هُويته، فيلفظها جسده، وهي أشبهُ بمن يتناول بدل جرعة واحدة، جرعات عديدة، فيموت.

بين الأفكار الميّتة والمميتة، يظل المواطن العربي باحثًا عن أقصر الطرق لفكّ شفرة المستقبل، فإما يعود إلى ماضيه أو يتيهُ في حاضره.. لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الإنسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ.. كنت أسمعُ في شوارع المدينة الناس يتحدّثون عن الرجل وفكره، ولم أكن أذكرُ حينها سوى أن قاعات السينما أنشئت لعرض أفلام مانغالا بنت الهند، وجون واين.. وفريد شوقي.

مالك بن نبي عرفتُ قيمته أكثر بعد أن التقيتُ المفكّر السوري اللاّعنفي، الشركسيّ الأصل جودت سعيد الذي جمعتني به رحلة من دمشق إلى بيروت في العام 1998، فما أن عرفَ أنني جزائري، حتى قال لي “أنا لا أقول إنك من بلد المليون ونصف المليون شهيد.. ولكن أضيفُ إليهم مالك بن نبي، هذا المفكّر العظيم الذي أعادني إلى طريق التفكير السليم بعد أن انزلقتُ بعيدًا.. إذ يكفي أنّه صاحب مقولة عندما تغيب الفكرة ينمو الصّنم”. ويضيف “أشعرُ دائمًا أنّني وقعتُ بين قامتين هما الباكستاني محمّد إقبال والجزائري مالك بن نبي.  وإن كان مالك الأقرب إلى قلبيّ”. فهو رجلٌ كلّما ابتعد عنّا زمنيا صار أكبرَ مما كنّا نعتقد..

تشرفتُ قبل ثلاث سنوات باستقبال الأستاذ محمد عدنان سالم صاحب “دار الفكر” ناشر مؤلفات مالك بن نبي، وقد حدثني طويلاً عن ذكرياته مع الرجل الذي لن يتكرر مرة أخرى. يقول بعض عتاة الفكر الغربي إنّهم ثلاثة نجحوا في اختراق أسوار العقل الأوروبي والغربي عموما لاتسامهم بروح الاستشراف والنظرة الثاقبة، الجزائري مالك بن نبي، والإيراني علي شريعتي، والباكستاني أبو الأعلى المودودي. وفي كلّ سنة يعود مالك في صورة أسئلة وأطروحات لم تمت، وأفكار تحمل بذور استمراريتها في عمقها وأصالتها. إنّه الرجل الذي رأى الأشياء بعينين ثاقبتين، وكأنه سليل زرقاء اليمامة (..). يعود مالك بن نبي المتنبئ عِلمًا بما سيكون من أمر هذه الأمة التي “وقفت أمام الغرب موقف الزبون فأخذت منه الأشياء والمصنوعات الجاهزة، وهذا عائد لطبيعة استهلاكية في المجتمع العربي، على النقيض من اليابان الذي وقف أمام الغرب موقف التلميذ ليتعلّم، وهذا راجع لطبيعة إنتاجية في المجتمع الياباني فاقتبس منه المعارف”.. تلك حقيقة أولى دوّنها ابن نبي، قادته لاحقا إلى جملة من الآراء التي تكرّست في الواقع العربي، وهي أنّه “من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر”، وتلك أيضا حقيقة أخرى، فالتاريخ اليوم لا يعني الانغلاق في الماضي وأمجاده، والتباهي بما حققه الأسلاف، إنّما صار مفهومه مرتبطا بالمستقبل والحاضر، ألم يقل بوش الابن بعد 11 سبتمبر 2001 “هناك أممٌ تعتز بماضيها، فلها أن تفعل، أمّا نحن فإننا سنصنعُ تاريخنا، وتاريخ غيرنا”، لهذا لا غرابة أنْ يكون الأمريكان موجودين في كلّ حدثٍ، مهما كان نوعُه أو حجمُه أو موقعُه، ليضعوا بصمة الرجّل القوي الشاهد على أحداث شارك فيها أو باركها.. لهذا فإنّ رؤية ابن نبي، تتقاطع مع فكرة أنّ هناك هامشا للتاريخ يختارهُ الفاشلون في بناء الحضارة.. ويذهب المفكر الجزائري الفذّ إلى أنه “ليس يكفي مجتمعاً لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع” وربّما هذا ينطبق على شعوب آسيا التي لم تتنصّل من هويّاتها لكنّها أخذت المناهج الأفضل في الغرب لتتدارك الفجوة بين التخلّف والإقلاع الاقتصادي والتكنولوجي، وهي اليوم تنافس على قيادة العالم، كالصين واليابان وكوريا والهند..

لعلّ مربط الفرس في فكر مالك بن نبي هو ما اتصل بما يسمّى ثورات وانتفاضات الربيع العربي، التي حرّكتها، بلا شكّ، حاجات مختلفة، قد تكون الحرية والعدالة والكرامة والمطالبة بتساوي الفرض ورفض الفساد.. ولكن ضمان بلوغ تلك المطالب لا يمكن أن يكون إلاّ بتوفّر مناخ من القيّم والمبادئ والقدرة في تجذيرها وتأصيلها، حتى لا تنبت في بيئة النفاق والديماغوجية.. ولا يمكن لثورة أن تنجح إلا إذا كانت وطنية الانتماء، واضحة الأهداف، صادقة الوعد، لأنّ كيمياء الثورة هي الذات المؤمنة بالتغيير.

 يقول مالك بن نبي “نحن لا نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد خُطى الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروباً جديد”. لأنّ التقليد يفقد الثورة هويّتها، ويجعلها أشبهَ بامرأة تخدع غيرها بمساحيق مغشوشة. فالسر في انتصار ثورات الجزائر والفيتنام وكوبا هو أنّها لا تشبه غيرها، ولم تستلف أدوات إنجازها من الآخرين.. فهل ثورات الشارع العربي اليوم، وهي تختلف في مضامين توجّهاتها، باعتبارها تهدفُ إلى تغيير واقع لا إزالة استعمار غريب، هل تمتلك هذه الرؤية، وهل هدفها إبدال فكرة بفكرة، ونظام بآخر، وإحلال أشخاص مكان آخرين أم أنها حجر في بركة ماءٍ آسن؟

يقول ابن نبي ايضا “إن ثورة ما، لن تستطيع تغيير الإنسان إن لم تكن لها قاعدة أخلاقية قوية”، فهل أنتج ميدان التحرير والساحات الأخرى نموذجا لإنسان يملك قابلية الانتقال من مجتمع 24 يناير إلى 25 يناير، بفكر يحمل القيمة المضافة لمصر، أو لبقية البلدان التي شهدت أوضاعًا شبيهة بدرجات متفاوتة؟ لا أعتقد أنّ شيئا كبيرا تحقق، لأن تراكمات التاريخ لا يمكن تفكيكها بخطاب لا يتكئ على قاعدة الإقناع والبديل والواقعي المقبول، وقيم التسامح والمشاركة، لأن “من سُنن الله في خلقه، عندما تغيب الفكرة يبرز الصّنم”، ولا يجد ابن نبي حرجًا في تناول بعض ثوابت الهويّة كأن يقول مثلاً “العرب فَتَنَتْهم لُغتُهم فحوّلوها إلى وثنٍ يعبدونه”، فهو يُدركُ أنّ من أسباب التطوّر، تطوير اللغة وجعلها مُتّسقة من مناهج البحث والتفكير، وعدم الاكتفاء ببُعدها الدينيّ أو الرّوحي..

لا أعتقدُ أنّ الناس يخرجون من أجل إنتاج نسخ منقّحة من الاستبداد ورموزه، بل لتحسين أوضاعهم، وبناء دولة الحق والعدل والقانون، لأنّ “الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها” كما خلُصَ إلى ذلك مالك بن نبي، أي أنّ المجتمع عندما يشعرُ أنّ أمانتهُ لدى حكّامه قد تعرّضت إلى المصادرة والتزييف، يمكنها أن تثأر لنفسها في لحظة تاريخية، غير أنّ هذا الثأر لا يكون بصواريخ الناتو لأنّ ذلك يدخل في خانة.. القابلية للاستعمار. هكذا قرأ مالك بن نبي المفكّر الذي عاش منفيّا عن وطنه، وهو القائل “أشعر أنّي كذرّة وحيدة تقاوم قوى عملاقة” أحداث العرب في 2011.. لكنّهُ يستمرُّ في قراءتها، لعلّ الأجيال القادمة تتخلّص من عبء الماضي، وتحسن قراءة الحاضر، لتضع قدمها على عتبة المستقبل..

———————————————

الكاتب: عزّ الدين ميهوبي

أديب وكاتب جزائري

وزير الثقافة سابقا والرئيس السابق للاتحاد العام للكتّاب والأدباء العرب

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button