افتتاحيةمقال اليوم

لبنان :الجماعة السياسية متآمرة أم متواضعة الفهم؟  

سامي كليب :

                   تستطيعُ الجماعة السياسية في لبنان أن تفعل ما تشاء وهي مطمئنة على أن الشعب الذي قَبِل بكل الظُلم، لن يطيح بها بسبب التبعية العمياء أو الحاجة الى لقمة العيش أو الموروثات القبلية والمذهبية والطائفية وغيرها.  ولا شك أن هذه الجماعة السياسية بدأت بالتخطيط للإستحقاقات الإنتخابية المُقبلة، كي تستعيد رونق دكتاتوريتها المغلّفة بمساحيق الديمقراطية وقشور الحريّات.

 دق البنك الدولي مُجدّدا أمس  ناقوس الخطر والإنهيار والكارثة. قال إن ما يحصل في لبنان حاليا، لم يشهد العالم مثيلا له  الاّ قبل منتصف القرن الماضي في تشيلي وأسبانيا، وقال إن 41%  من العائلات اللبنانية تعاني صعوبات في الوصول الى المأكول والحاجات الأساسية. لكن، لا البنك الدولي ولا دول العالم قاطبة أستطاعوا تغيّر ثوابت المورثوات الجاهلية في لبنان، والتي تقول بأن لا حكومة بدون محاصصة دقيقة للوزراء وفق المذاهب.

هنا يُطرح السؤال المفصلي:

  • هل الجماعةُ السياسية في لبنان متآمرة على الوطن فعلا لحسابات طائفية ولتبعيات خارجية، أم أنها ببساطة لا تملكُ أي معرفة سياسية ولا ثقافة وطنية ولا تستطيع بالتالي وضع برامج إنقاذية؟

قد يكون أحد السببين صالحا، وقد يكون السببان معا. على الأرجح السببان معا. فهذه الجماعة السياسية بمختلف أطيافها وصنوفها وقبائلها وزعاماتها وعشائرها ومذاهبها، إعتادت على أمرين في حياتها: أولهما تقاسم الجُبنة وتناهش لحم الوطن، وثانيهما الإعتماد على الخارج في التركيبات السياسية. وحين سنحت فرصٌ كثيرة لإنتاج سياسة محلية، وتأليف حكومات بتوافقات داخلية، ضاعت هذه الجماعة لقلة خبرتها بالإنقاذ وكثرة خبرتها بالتدمير والحروب، وها هي تُضيّع البلد وتقلب الهيكل على الجميع.

ما هو الحل ؟

ببساطة متناهية، يجب أن يعي الشعب حجم الظُلم الذي يعيشه (لا كهرباء ولا ماء ولا طبابة  ولا ضمانات صحية او للشيخوخة ، اضافة الى سرقة ودائعه في المصارف وطمره بالنفايات وقتل عملته الوطنية)، وأن يُعدّ النفس لمنع أي انتخابات على أساس القوانين التي تعزّز المحاصصة والمذهبية والطائفية وتُبقي الجماعة السياسية المتآمرة والفاشلة متحكّمة بمصير الوطن.

يجب الضغط لإنتاج قانون إنتخابي يسمح لأي لبناني بإنتخاب من يريد وحيثما شاء ، وأن يختار مَن يرى فيه قدرة على استنباط مشاريع انقاذية تنهض بالبلد وتعزّز الانتماء الوطني وتنبذ المذهبية والطائفية وتقيم العدالة في وطنٍ لم يعرف شيئا عن كل هذا. فالحريات فيه كانت وما تزال أقرب الى الفوضى، والديمقراطية كانت وما تزال  مطية قابلة للتوسيع والتضييق حسب أهواء عدد قليل من الزعامات القديمة والحديثة والقيادات البائدة والفاسدة.

وعلى الزملاء الإعلاميين أن يضعوا مصلحة الوطن فوق أي مصالح أخرى، وأن نبدأ جميعا من الآن الترويج لتغيير القانون الانتخابي وانتخاب مجموعة من السياسيين نظيفي الكف وقادرين على إنتاج مشروع وطني انقاذي يليق بإحدى اقدم الحضارات الإنسانية.

كانت مدينة “زيوريخ” السويسرة توصف بمدينة الذباب والضفادع، وكانت مهجورة ومخيفة، جاءها رجلٌ واحد، عنده فكرٌ سياسي وإبداع اقتصادي وإنتماء وطني إسمه الفرد آشير، حوّلها من خربة مهجورة الى أهم وأرقى مدينة في العالم تعوم على أكبر مخزون من الذهب وتؤسس للسرية المصرفية العالمية ولأكبر شركات تأمين ولأهم جامعة لتخريج المهندسين والحصول على أكبر نسبة من جوائز نوبل.

نجح ألفرد آشير في جعل مدينته تحفة، ووصلها بالعالم الخارجية واقام فيها مصانع الحريري، فصارت جوهرة سويسرا، بينما في لبناننا المسكين، تحوّلت سويسرا الشرق الى خربة مهجورة وشبه مقطوعة عن العالم.

الأوطان تحتاج الى رجال مثل ألفرد آشير ومثل حكّام اليابان وأندونيسيا وماليزيا وغيرهم، وليس الى مجموعة من أمراء الحروب والفساد والغباء السياسي والإحتيال الإقتصادي فوق جثة الوطن. هؤلاء، حتى لو أرادوا، فهم لا يعرفون شيئا عن مشاريع نهضة الأوطان. فمعظمهم جاء بالصدفة أو بالوراثة أو من فوق الحروب أو ثمنا لعمالة أو تبعية للخارج.

#إعلاميون_لا _ابواق  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى