يارا سلامة.
يتنفس النجم السوري-العالمي غسان مسعود الحرية، هي حاضرة في مسرحه، وافلامه، وكلامه ونقاشاته. تضيق الأمكنة بأحلامه الكبيرة لإبداع عربي يحترم العقل لا الغرائز، لكنه يجاهد لتوسيعها دائما عبر كسر المحرّمات، رافضا أن يكون قدر العرب تلك المعادلة بين ” نُخبٍ عربية تنافق الإسلام السياسي، وإسلام سياسي ينافق بالديمقراطية”. يهرب مسعود من السياسة اليومية نحو عالم الابداع، او ليفيء تحت عريشة عنب بعد أول مطر أيلول في قريته الساحلية رغم انه من مواليد دمشق، لكن السياسة حاضرة في كل تفاصيله، يكره التملّق وميل البعض لمنح شهادات بالوطنية أو الخيانة، يتحدث بصوته الجهوري ولغته العربية الصافية كالمتنبي الذي يحلم يوما ما بأن يقدمه للعالم، يذوب عشقا في الحديث عن ابنته “لوتس” التي عرفت كل اسرار المسرح مذ كانت تنام، طفلة، على خده وهو يتحادث مع رفاقه الذين كلما تقدّم به العمر، كلما تضاءل عددهم، ذلك ان شروط الصداقة عنده ترتكز على الاصالة والشهامة..
غسان مسعود أثبت عالميته عبر أدواره في هوليود. لا يحتاج لشهادات وتكريم، لكن ثمة غصة دائمة ترافق كلامه. تشبه غصّات أولئك المبدعين العظماء عبر تاريخنا العربي حين يكون ابداعهم أكبر واهم وأعمق من تفاصيل التملّق اليومي في الإدارات والمؤسسات وعند أبواب أهم الحكم. لكن عالميته لم تمنعه من أن يحافظ على تلك الطيبة التي يتمتع بها السوريون الأصيلون، فتلمع عيناه فرحا حين يتحدث عن امنياته المقبلة فوق ثيابه السوداء ولحيته البيضاء المشذّبة بإتقان، او تلامسان حدود الحزن، حين يشرح كيف نجح أهل الظلام في قمع تلك المسحة الصوفية الراقية والعميقة التي قدّمها في مسلسل الحلاّج.
حاليا يُمارس المبدع السوري-العربي-العالمي الكبير دورا آخر، يسعى لأن يبعده عن قلبه كي يحكّم العقل، لكن القلب والعقل يمتزجان حتما، كيف لا وهو يُخرج مسرحية ابنته الشابة المبدعة والجميلة ” لوتس” في عمل مسرحي بعنوان” هوى غربي” يحكي بعفوية قصة هذا الجيل الجديد في تجربة سنوات الحرب العجاف، بل قل تجربة كل سوري مقيم ومهاجر او عائد بعد هجرة.
لهذه المناسبة المسرحية الرائعة (ولنا عودة اليها في مقال خاص) التقينا غسان مسعود، فوق خشبة المسرح، ومن على هموم وطن يتساءل عن مستقبله وعلمانيته ومدنيته، وكان هذا الحوار السريع والحامل إجابات شفافة وعميقة وصريحة تشبه تماما قائلها.
مهمة المخرج المسرحي سواء كان نص للوتس أو لتشيخوف أو شكسبير أو سعد الله ونوس أن يسجل قراءته الثانية أو كما نسميه بالمسرح الكتابة الثانية التي تتم عبر أدوات المخرج ،أولاً أن يمارس فعل الإعداد على الورق بمعنى أن يتدخل في البنية النصية، وهنا يحرك النص من الورق باتجاه الخشبة يأتي بعد ذلك التصور الذي يريد أن يضعه في إطار بصري سمعي ممتع ومفيد للجمهور من أجل أن يصل النص بكل تفاصيله إلى المتفرج …يرى، يسمع، يستمتع ومن ثم يقيم مدى الفائدة التي يأخذها ويحصل عليها عبر مناخ بصري ممتع وفيه بنية جمالية وبتقديري يجب أن تكون جمالية متقدمة لديكور الإضاءة، حركة الممثل و بجميع المؤثرات البصرية والسمعية التي نستخدمها عادةً على الخشبة بهذا المعنى أنا تدخلت كدراما تورج ،أحياناً أعترض على جمل او هناك بعض المشاهد أرى أنها تحتاج إلى شد إيقاع مثلاً ،،،كان يحدث خلاف كبير بيني وبين لوتس وهذا الأمر لا يعرفه الناس حول وجهات النظر المتباينة لجهة قراءة المشهد على الخشبة وكنا نصل إلى قراءة مشتركة بعد جهد جهيد وبعد نقاش عنيف بيننا وبالطبع كانت حريصة على كل حرف تكتبه والأنثى بشكل عام تذهب إلى التفاصيل وإلى تفاصيل التفاصيل وبالواقع حياتنا بشكل عام ليست إلا تفاصيل تُنتج قضايا كبرى بمختلف الاتجاهات ولو عدنا قليلاً إلى لوركا أو تشيخوف لوجدنا أن عبقرية هذان الكاتبان تتلخص بالتفاصيل..
بالطبع تفاصيل صغيرة وهي “لا شيء” إذا قرأتيها للوهلة الأولى ولكن عندما تقرأيها لمرة أخرى ستعي بأنها كل شيء وبالتالي جربنا أن نقدم اللاشيء وكل شيء في هذا العرض.
ما جذبني هي تفاصيل هذا العرض التي تلامس كل إنسان في الشارع السوري .لا يوجد مواطن في هذا الشارع إلا وتلامسه هذه الهموم التفصيلية التي تبدو من خارجها بسيطة ولكن في العمق شكلت حياتنا لمدة تسع سنوات فعندما تأويليها وتبحثي عن دلالاتها تجدين أن حياتنا للأسف كل حياتنا تُبنى بشكل يومي على تلك التفاصيل .
بالطبع وهذا رأيي ايضاً. ميزة هذا النص هو طريقة كتابة لوتس كيف عاشت، كيف سمعت، كيف رأت وعانت على مدار السنوات القاسية التي مرت بها سورية ، وأنا أوصيها دائماً أن ابقِ هكذا …تحدثي عن نفسك وتصوراتك ورؤيتك للحياة ،تحدثي عن الصعوبات والهموم اليومية التي تنعكس على حياة المواطن بشكل يومي وببساطة …لا تتخلي عن العفوية والتلقائية ولا تحاولي يوماً أن تقرري الكتابة وهي بالفعل لا تقرر أن تكتب ،تعيش مزاجاً سيئاً تكتب ،تعيش مزاجاً جيداً تكتب ففعل الكتابة عندها ليس فعل إرادي ولا قرار وبتقديري الشخصي هذا ما أغراني نص ” هوى غربي” ،اكتبي تجربتك الشخصية على قاعدة ادونيس الشهيرة ” لا تحدثني عن الحب …حدثني عن تجربتك في الحب.
صحيح .. وهي رافقتني بجميع ما قدمته من عروض وبدأت بعمر العشر سنوات في الكتابة والنشر وبالتالي موهبة الكتابة لا تُصنع فهي موجودة أو غير موجودة والله إما يُعطي تلك الموهبة وإما لا.
تماماً أقول اليوم أن لوتس تكتب بالفطرة وأنا موافق جداً على هذا النوع من الكتابة فهو أكثر ابداعاً وأكثر صدقاً وأكثر حرية وإذا نظرتي إلى مشهد خطبة شكور التي جسدها الفنان ” لجين اسماعيل ” على مريم التي قدمتها الفنانة ” روبين عيسى” تصوري هذه الروح التي لا يمكن صناعتها فهي تقال كما هي وتكتب كما هي وهذه التفاصيل لو قررت صناعتها من الممكن أن تخرج بشكل مفتعل.
بالطبع وانا حرصت في الإخراج ان آخذ هذا المشهد او هذه الشخصية “شكور” إلى نوع مسرحي معروف في العالم وهو الغروتيسك، إبراز تفاصيل الدور لتكون هي الأساس.. والمتفرج تعاطى معها على انها حالة مكتملة فيبني ردة فعله على كلمة ،وأحياناً على حركة بسيطة او اشارة ،هذا النوع من المسرح هو الذهاب إلى مسخرة الشخصية من داخلها ،من وعيها ،من علاقتها مع المحيط .
لا يعلم كيف يتأقلم مع هذه البيئة ولن يعلم فليس لديه مؤهل ثقافي .
بالضبط وهذا ما توصلتي اليه بنفسك. انا لا اريد ان أصل.. تركت إشاراتي على خشبة المسرح …ودعيني اقول بأننا انا ولوتس رسمنا لوحتنا وليقرأ المتفرج حسب وعيه وثقافته، فليقرأ هو،نحن رسمنا اللوحة ومشينا.
هناك حرب جديدة بدأت.. سؤالك هو جواب.. انتِ قمتِ بقراءته وقرأتِ وجهة نظري ووجهة نظر الكاتبة وهذا كاف.
انا عليي فتح الابواب عندما اخرج مسرحية وبتواضع أقول لكِ لم أقدم عرضاً مسرحياً الا كان كما رأيتِ.. هذا يعني بأنني لم اجعل من نفسي وصياً ً على وعي الناس فالناس عندها ما يكفي من الوعي وعندها ما يكفي من القدرة والحساسية بأن تتحسس همومها ومشاكلها وفرحها وحزنها وترحها وبالتالي لا أنصّب نفسي وصياً على الناس ولذلك هم وبتقديري يصدقونني وكونهم صدقوني فهم أتوا لحضور العرض..
* حضرتك تتكلم عن حالة فردية.. هل لدينا مسرح بفعل مؤسساتي؟
هناك مسرح بفعل مؤسسي ولكن العاملين في المؤسسة أو جهود المخرجين هل هي على المستوى المطلوب بالتأكيد لا… وانا اتكلم بشكل عام وبالطبع هناك استثناءات.
*ما هي شروطك لتقديم مسرح مع القطاع الخاص؟
لم أفكر بهذا، فعلاقتي مع المسرح ليست علاقة ربح أو خسارة، علاقتي معه شيء آخر وانا اشبهها بعلاقة حب غامضة لا اجد نفسي مشغولاً بأن أفسرها وتاريخي الشخصي مسرحي ولم يخطر ببالي أن أخرج عملاً تلفزيونياً او سينمائياً.. أخرج فقط مسرح .
*هل كل هذا بدافع الحب والشغف للمسرح؟
لا أعرف ومن الممكن ان يكون بدافع الحلم …أنا أحلم وأحاول أن أترجم حلمي عبر مشهد مسرحي معين ..ادفع حق الحلم وحق ترجمته .
* ماذا يحاول أن يقول غسان مسعود ؟
أحاول أن أعيش يوماً آخر مع وطن أقترحه من خلال تكوين مشهد مسرحي.
نسبياً نعم قلق على ذلك.
ليس مهماً ولا يعنيني….وما تعودت انتظار أن ينصفني أحد.
صحيح ..مسلسل الحلاج كان حلماً بالنسبة لي ونفذته بشكل عال جداً وأعتقد بأنه من أجمل الأدوار التي قدمتها بكل عمري ، المحطة التي انتجت المسلسل لم تعرضه بسبب الهجوم الشرس جداً من قبل السلفيين ومشايخ في الخليج وبالتالي نتيجة هذا الهجوم القاسي اضطرت المحطة الا تعرض مسلسلاً هي من قام بإنتاجه وقد عرضته محطات آخرى .
طبعاً وجداً.. هذا جعلني أعتقد وأجزم بأن الكثير من العرب ما زالوا كأمة وكنخب وأنظمة يخافون من الإسلام السياسي وما تزال النخب تحديداً التي تدعي العلمنة والمدنية و….. تنافق الإسلام السياسي وتخاف منه. يعلم الواحد منهم بأنه منافق ولو لم يكن منافقا لما وافق على الديموقراطية الوضعية وهو لا يؤمن بها فهو بذلك ينافق مرتين …الإسلام السياسي ينافق بالديموقراطية الوضعية والنخب تنافق ذلك الإسلام وتخاف منه.
معلوماتكم صحيحة… سبب اعتذاري عن تقديم العمل هو مؤسسة الانتاج نفسها، جاء اعتذاري لأنني لا أقبل النفاق وقلت لهم انا مستعد أن أعمل شخصية المطران لأجل فلسطين ولأجل المطران دون ان أحصل على قرش واحد ولكن لن اوقع على اوراقكم الغبية، لديهم اوراق لو وقعت عليها لجعلت من نفسي عبداً وانا رجل حر.
ارجوكِ ..لا تعليق إطلاقاً ولا يستحق الرد.
ههههههههههه…..أنقذ ماذا …
أنا خارج كل هذه المعارك الغبية وخارج كل ما يخطر في بالك عن الوسط الفني انا في بيتي …بيتي فقط.
ليس لدي اصدقاء …لدي زملاء أحبهم واحترمهم ولكن لا يوجد اي صديق…
صديقي الوحيد هو كلبي.
أن اعمل شخصية المتنبي في السينما العالمية.. أن اشتغل المتنبي كإنتاج عربي، أن نوصل الصوت الآخر والوجه الآخر للثقافة الإسلامية للعالم الغربي ولكن تقولين لي هل العرب من رجال اعمال ومسؤولين وأصحاب قرار معنيون بأن يوصلوا هذا الوجه الثقافي الإسلامي الرائع إلى الغرب …سأقول لكِ لا لا يعنيهم ذلك.
الكذب واللعب في المصطلحات المقدسة وجعلها مادة للإتجار …ولن أفصل أكثر.
* بماذا تعرف لي مصطلح الانتماء؟
للأسف مصطلح الانتماء أُفرغ من محتواه كما الحب وكما الوطنية.. هناك تجارة في هذه العناوين وهي تجارة غير اخلاقية..
إلى قناعاتي وهي مازالت هنا وستبقى…
لا اريد ان ازايد وتظهر كلماتي كالشعارات.. لم أهاجر لأني اعشق المطر بعد ايلول في ضيعتي عندما يكون العنب بأواخره وتكون نكهته قد بلغت ذروتها.
اعمال غسان مسعود |
_ في السينما العالمية:
-في السينما العربية:
* الوعد، الاعتراف، كتابة على الثلج ، ظلال الصمت وغيرها.
* عضو لجان تحكيم عربية ودولية
* حائز على العديد من الجوائز في التمثيل والإخراج
———————————————————-
الكاتب : يارا سلامة إعلامية
أ.د ماريز يونس ( أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية) في ذلك الصباح، لم يكن…
Des salles d’asile à l’école maternelle ! Nadine Sayegh-Paris Evoquer l’école nous fait directement penser à…
سامي كليب افتتاحية-الصراحة افضل الاستقبال الاستثنائي الذي أحيط به الرئيس جوزيف عون في السعودية، والذي…
Du natron au sapo, pour arriver au savon ! Nadine Sayegh-Paris Le savon, produit d’hygiène et…
مرح إبراهيم ثلاثة أشهر مرّت على اللحظة النفسيّة التي جسّدتها ليلة الثّامن من كانون الأوّل…
سامي كليب: كتب عالِم النفس الشهير سيغموند فرويد منذ عقودٍ طويلة : " إن الإنسانَ…